3

:: دين أناركي لبيتر لامبورن ويلسون ::

   
 

التاريخ : 25/08/2016

الكاتب : ترجمة مازن كم الماز   عدد القراءات : 311

 


 

 

 

غالبا ما قيل أننا، نحن الأناركيين، "نؤمن بأن البشر جيدون" (كما قال الحكيم الصيني مينيكوس (1). لكن بعضنا يشكك في فكرة تلك الطيبة المتأصلة ويرفض سلطة الآخرين علينا تحديدا لأننا لا نثق بالأشخاص السيئين. ليس من الحكمة أن نعمم فيما يتعلق بـ"المعتقدات" الأناركية لأن بعضنا قد يكون ملحدا أو لا أدْريا (2)، بينما قد يكون بعضنا كاثوليكيا. طبعا يحب بعض الأناركيين أن ينغمس في ممارسة كريهة زائفة ولا معنى لها هي ممارسة الطرد الكنسي ضد المختلفين معهم من رفاقهم. نزوع الفِرَق المعادية للسلطوية لإدانة واستبعاد بعضها البعض كنت أراها دائما كسلطوية متخفية. لقد أحببت دائما فكرة خط أناركي عريض بما يكفي ليشمل كل تنويعات العقيدة في نوع من من "جبهة موحدة" فضفاضة من دون رأس (أو "اتحاد الفردانيين" أو المتميزين كما عبر عن ذلك شتيرنر). يجب أن تكون هذه المظلة واسعة بما يكفي لتغطي "الأناركيين الروحانيين" إلى جانب الماديين الأكثر صرامة.

من المعروف أن نيتشه أسّس مشروعه على "اللاشيء" لكنه انتهى إلى التلميح إلى نوع ما من دين بلا وصفة أخلاقية وبدون إله حتى ("زرادشت"، "التغلب"، "العود الأبدي"، الخ). في "رسائله المجنونة" الأخيرة من تورينو يبدو أنه قد اختار نفسه كمسيح (مسيح مضاد أو مضاد للمسيح) لهذا الدين تحت اسم "ديونيسيوس (3) المصلوب". اتضح أن مسلَّمة مثل "اللاشيء" تتطلب ولو القليل من الإيمان وأنها قد تقود إلى نوع ما من التجربة الروحية وحتى الصوفية : من يسمي نفسه مهرطقا (أو كافرا) إنما يريد إيمانا مختلفا. بعد "موت الله" تأتي إعادة ولادة "الآلهة" بشكل غامض - الآلهة الوثنية لتعدد الآلهة (الشرك). هكذا كان نيتشه يقترح العودة بالتوحيد إلى الوثنية عندما تحدث كمسيح - ديونيسوسي - وهو مشروع بدأه منذ عصر النهضة هراطقة ووثنيون جدد مثل غيميسثو بليثو ن(4)وجوردانو برونو (الذي أحرقه الفاتيكان عام 1600). هذه المهمة بالذات - العودة بالتوحيد إلى الوثنية - كان ما قام به العبيد الأفارقة وبشكل رائع عندما خلقوا سانتيريا(5)، فودون، كاندومبيل، وكثير من الأديان الأخرى التي مزجوا فيها بين قديسين مسيحيين وآلهة وثنية. مثلا، تشانغو "هو" القديسة باربارا، أما أوغون فهو الملاك جبرائيل، ويمكن أيضا أن نراه كإله الحرب الروماني مارس أيضا. أصبح القديسون "أقنعة" لأرواح المضطهدين (بفتح الهاء) لكنهم لم يكونوا مجرد تنكر. كان الكثير من أتباع السانتيريا وثنيين وكاثوليك في نفس الوقت، الأمر الذي كان يصيب الكنيسة بالجنون! كما قال صديقي عالم الأنثربولوجيا جيم وافر في كتابه "طعم الدم" أن أديان العالم الجديد هذه لم تكن "أفيونا للشعوب" (ولا حتى بالطريقة الإيجابية الغريبة والحزينة بعض الشيء التي استخدم فيها ماركس هذه العبارة) بل مناطق للمقاومة ضد سلطة شريرة. في أديان كهذه يمكن لديونيسيوس أن "يكون" يسوع فعلا - أو أوباتالا أياغونا في هذيان متعمد لوحدة الوجود حيث لا يتوقف أي شيء على الإيمان لأن الاستحواذ النشوي (المتعي، من النشوة أو المتعة) من "سانتوس" (أوريشا، لوا) يتيح لكل شخص حاضر أن يرى ويلمس الإله وحتى أن يكون "هو" ذلك الإله. (كان وافر قد ضرب بسبب شربه الكحول في حانة في ريسيفي من قبل شخص غريب اتضح فيما بعد أنه "كان" إلها شابا محبا لشراب الروم). أكثر من ذلك تضع هذه الأديان السحر في مكان أعلى من الأخلاق (وهي قضية نيتشوية أخرى)، وتؤمن بوجود آلهة خاصة بالمثليين جنسيا واللصوص والساحرات والمقامرين الخ. كان أوسكار وايلد أول من لاحظ الشبه الهائل بين الأناركية والطاوية التي تتألف من مجموعة فضفاضة لا رأس لها من فرق (وثنية) تقول بتعدد الآلهة (شركية) مع ميل إلى الزندقة أو الهرطقة وقيم اجتماعية لاسلطوية. من الواضح أن بعض أشكال الطاوية - أو أية منظومة وثنية أخرى - كانت متواطئة بالكامل مع الدولة، يمكننا أن نسمي هذه الأشكال بالأرثوذوكسية (أي المتشددة أو الحرفية - المترجم) وهي تشكل بهذا المعنى أسلافا أو مقدمات للتوحيد. لكن الروح الوثنية كانت تشتمل دائما على عنصر أناركي أيضا - مقاومة العصر الحجري للدولة - الكنيسة وتراتبياتها الهرمية. تخلق الوثنية طوائف جديدة أو تسمح للطوائف القديمة بأن تستمر سرا، طوائف هرطقية (كافرة، مزندقة) بالنسبة للتوافق (الإجماع) الحاكم. (هكذا "استمرت" الوثنية الأوروبية في ممارسة السحر في القرون الوسطى وهكذا). في روما الكلاسيكية كانت الطوائف الهيلينية الشرقية الصوفية والدمج السحري بين الآلهة والطقوس اليونانية والمصرية والبابلية وحتى الهندية، كانت تشكل تهديدا للنظام التقليدي والإمبراطوري. إحدى هذه الطوائف، التي كانت هرطقة يهودية، تمكنت أخيرا من "الإطاحة" بتلك الوثنية الكلاسيكية. أعتقد أن ديالكتيكا مماثلا يمكن أن نراه في أمريكا القرن الواحد والعشرين ومجمعها "الإمبريالي" والـ 60 % من شعبها الذي يذهب إلى الكنائس و"خبزها وسيركها" الالكتروني ووعيها القائم على النقود الخ. جملة من "الطوائف الصوفية" الشرقية والحديثة ما تزال تستمر بالانتشار وتأخذ أشكالا جديدة مشكلة (بكليتها) نوعا من الهرطقة أو الزندقة الشعبية أو مجموعة طوائف شبه وثنية، بعضها يشكل خطرا بالفعل على السلطة المركزية وحكم الأقلية التكنوقراطية الرأسمالية. بالفعل يمكننا أن نذكر هنا بعض أشكال الأناركية الروحانية كجزء من هذا الطيف. إني أقترح أنه يجب ألا نخلط بين الطوائف الفاشية والأصولية وبين التيارات الروحانية اللاسلطوية المتضمنة في الشامانية الجديدة(7) والروحانية المحفزة باستخدام الأدوية المهلوسة، و"دين الطبيعة" الأمريكي كما وصفه أناركيون مثل ثورو، التي تشترك بالكثير من الهموم والأساطير مع الأناركية البيئية (الخضراء) والبدائيين والعشائريين ودعاة المقاومة البيئية، وموقف سكان أمريكا الأصليين من الطبيعة... حتى مجموعة رينبو - قوس قزح (منظمة نسوية عالمية غير حكومية - المترجم) واحتفالية الرجل المحترق (شبكة تدعو إلى تطوير الحياة الروحانية والتواصل بين البشر - المترجم). لدينا هنا في كاتسكيلز كل شيء من كريشنا مورتي إلى الدالاي لاما، من طائفة الهاسيزد (الصوفية اليهودية - المترجم) إلى الشيوعية، البوذية، والزراعة ما بعد الصناعية، والطعام المعد جيدا (أو البطيء في معارضة الوجبات الجاهزة أو ما يسمى بالطعام السريع - المترجم)، وكومونات الهيبيين التي تعود إلى الستينيات... والصوفيين وممارسي اليوغا - وهو مشهد يبدو ناضجا للدمج وإنتاج شمولية روحانية، جاهزة لأن تصبح "مركزا" للحماسة الصوفية للثورة البيئية (الخضراء) إذا تمكن أحدهم من إيقاد الشرارة - أو هكذا يمكن للمرء أن يحلم. في سياق الاعتقاد الذي أتصوره أضع فكرة والتر بينجامين عن الإستنارة المدنسة. عندما تساءل كيف يمكن أن نمارس التجربة الروحية خارج إطار "الدين" أو "المعتقد" حتى؟ بشكل ماركسي جزئيا، أناركي جزئيا، وقابالي (صوفي) جزئيا، أراد مواصلة القضية الرومانسية الألمانية القديمة للعودة بالتوحيد إلى الوثنية، "بكل الوسائل الضرورية"، بما في ذلك الهرطقة (الزندقة)، السحر، الشعر، الحشيش... لقد سرق الدين وقمع "السر الكبير" للشامانات (السحرة) القدامى، والمعالجين (التقليديين)، والنساء الحكيمات - ويجب على الثورة أن تستعيده ثانية. مؤخرا أصبحت فكرة يسار رومانسي تاريخي وحتى صوفي أو سحري شائعة ولم تعد تحتاج لمن يدافع عنها. تمثال برونو في ميدان الزهور حيث قضى أصبح أيقونة للمفكرين الأحرار وثوار روما الذين يبقونه محاطا بالورود الحمراء. لقد انحاز الكيميائي باراسيليس إلى الفلاحين في انتفاضتهم ضد النبلاء اللوثريين. إن قراءة إيميرسونية (نسبة للفيلسوف والشاعر الأمريكي رالف إميرسون(8) الذي عاش في القرن التاسع عشر - المترجم) للرومانتيكية الألمانية (خاصة قصصها) قد تفسر "أفكارها الأولى وأفضل أفكارها" كبذرة وثمرة للثورة. كان ويليام بليك مؤسسة راديكالية مهرطقة لوحده. أنتجت الرومانسية الفرنسية اليسارية (وحتى الصوفية) شارل فورييه، نيرفال (شاعر وكاتب فرنسي رومانسي - المترجم)، ورامبو. هذا التاريخ العميق من "الثورة الرومانسية" يجب أن يضاف لأي حديث عن أي روحانية أناركية ممكنة. يعتقد الصوفيون أن "الدين أو العقيدة" هو محض وهم، وأن التجربة وحدها هي المؤكدة، حيث لا تكون هناك حاجة للإيمان. حتى أنهم قد يدافعون عن التحرر (الذاتي) الصوفي أو الروحاني من قمع الأديان المنظمة. دعا بليك كل فرد ليصنع نظاما من صنعه وألا يكون عبدا لنظام الآخرين - خاصة "نظام" الكنيسة. وجيرار دي نافال الذي كان يملك جراد بحر كحيوان أليف سماه ثيبو كان يأخذه للتنزه في حدائق القصر الملكي في باريس...، والذي أجاب عندما سئل لماذا تخلى عن الدين "كيف ؟ أنا، لا دين ؟ لماذا، لدي 17 منها على الأقل". في الختام : يمكن لأي منظومة اعتقاد تحررية، حتى أكثرها تحررية (أو خلاعة أو فجورا) أن تنقلب 180 درجة لتتحول إلى دوغما جامدة - حتى الأناركية (كما تشهد قضية الراحل موراي بوكشين). وعلى عكس ذلك فحتى في أكثر الأديان دينية يمكن لرغبة الإنسان الطبيعية في الحرية أن تخلق داخلها فضاءات سرية للمقاومة (كما شاهدنا في أخوة الروح الحرة أو بعض طوائف الدروايش). تبدو التعريفات أقل أهمية في هذه العملية من تطوير ما سماه كييتز "بالقدرة السلبية" التي يمكن أن نعرفها هنا بأنها القدرة على ركوب موجة التحرير بغض النظر عن الشكل الذي قد تأخذه. في الخمسينيات كان يمكن أن تكون "بيت زين"(9) (التي يبدو للأسف أنها قد اختفت)، أما اليوم فقد تكون الوثنية الجديدة أو الهرمسية البيئية (الخضراء). تماما كما تحتاج الأناركية إلى التغلب والخروج من العبادة التاريخية "للتقدم"، فإني أعتقد أيضا أنها قد تستفيد من التخفيف من إلحادها الذي يعود إلى القرن التاسع عشر وتعيد النظر في إمكان وجود "دين أناركي" (على ما قد يبدو في المصطلح من تناقض).

 

ملاحظة: في ذكرى فرانكلين روزيمونت (شاعر وفنان سوريالي أمريكي - المترجم) يجب أن أضيف أن نمط الأناركية الهرمينوطيقية التي أقترحها هنا كانت مميزة للراحل بريتون (أندريه بريتون - شاعر وكاتب سوريالي - المترجم) والسوريالية المتأخرة عموما. وأود أيضا أن أشير إلى الكتاب العظيم للشاعر العربي آدونيس عن الصوفية والسوريالية. وأوصي كذلك بقراءة طبعة جامعة هافارد لكتاب والتر بينجامين عن الحشيش. أحيانا نحتاج إلى التشويش المتعمد للحواس... أحيانا قد يكون أفيون الشعوب هو... الأفيون. 

 

1.   مينيكوس فيلسوف صيني كونفوشوسي، عاش بين 372 - 289 قبل الميلاد، ذهب إلى أن الطبيعة الإنسانية جيدة وأن تأثير المجتمع السلبي على الأفراد هو سبب تصرفاتهم السيئة.

2.     الاأدرية موقف يرى أن العقل البشري غير قادر على إعطاء جواب قاطع على مسألة وجود الله من عدمه. ديونيسيوس إله الخمر عند الإغريق، ارتبط اسمه وعبادته بطقوس ماجنة جماعية.

3.    غيميسثو بليثون 1355 - 1452، دارس يوناني للأفلاطونية الجديدة ودعا للعودة إلى عبادة آلهة الأوليمب القديمة.

4.    سانتيريا، دين نشأ في الكاريبي أثناء الحكم الإسباني من أفكار مسيحية ومعتقدات العبيد القادمين من أفريقيا وأديان سكان أمريكا الأصليين، نشأ وانتشر بين عبيد اليوروبا (القادمين من وسط وجنوب نيجريا)... الفودون أو الفودو هو "دين" نشأ ويمارس في هايتي يؤمن بخالق أعلى لكنه لا يتدخل في حياة البشر لذلك توجه الصلوات والعبادة للأرواح الخاضعة له... الكاندومبيل "دين" شبيه انتشر في البرازيل والأرجنتين والأوروغواي... تشانغو إله أمريكي جنوبي انتشرت عبادته بين العبيد القادمين من أفريقيا، يجمع بين القديسة باربارا أو القديس جيروم وأحد ملوك يوروبا.. أوغون هو أوريشا أو لوا أو فودون، يمثل القديس جاك ماير في دين الفودون في هايتي.. الأوريشا هي تجسدات مختلفة للرب في أديان العبيد في أمريكا اللاتينية، يعتقد المؤمنون به أنه يوجد في العالم غير المرئي ولكنه يعيش أيضا في شكل كائنات بشرية... أوباتالا هو أوريشا، أب كل أوريشا، الأب السماء وخالق الأجساد البشرية، في معتقدات أفارقة اليوروبا والعبيد في البرازيل وغيرها في أمريكا اللاتينية.

5.    الطاوية دين أو فلسفة صينية تدعو للعيش بانسجام مع الطبيعة أو نظام الكون الذي تسيمه بالطاو.

6.    الشامانية الجديدة ممارسة تقوم على الرؤى والشفاء بالسحر، الشامانية هي ممارسة تقوم على التواصل مع العالم الروحاني وشفاء الأمراض عبر طقوس سحرية.

7.    رالف إيميرسون 1803 - 1882، شاعر وفيلسوف أمريكي، كان من أهم دعاة الفردانية وحرية التفكير.

8.    Beat Zen

9.    حركة بوذية انتشرت في أمريكا وأوروبا في الستينيات.

 

 
   
 

التعليقات : 0

 

   
 

.