3

:: تكهّنات الحرب ما بعد تحرير الموصل ::

   
 

التاريخ : 25/08/2016

الكاتب : مصطفى محمد غريب   عدد القراءات : 674

 


 

 

الحديث يجري في أكثر من محفل وفي مقدمتها وسائل الإعلام بما فيها تلك التي تؤمن بالمقولة السيئة الصيت "فَرِّقْ تَسُدْ" عن ما بعد عملية تحرير الموصل وكما يقال في المثل الدارج عن "تحضير المعلف قبل شراء الحصان" فإن هذا الحديث والتوقعات والتكهنات له عناصر عديدة:

الأول: ما هو سلبي للتحريض وتهيئة الأجواء لصراع طويل الأمد يصل لحدّ تقسيم البلاد عن طريق حرب أهلية وفق مخطط مسبق لجرّ مناطق أوسع من محافظة نينوى بحجة التمييز الطائفي.  

والثاني: إيجابي وطني يهمه الخلاص من الإرهاب واتخاذ إجراءات وقرارات وطنية في تشكيل الحكومة وما هو مرتبط بالبناء والتخلّص من النهج الطائفي.

 الثالث: الذي يدار من قبل الحكومة وعلى رأسها رئيس الوزراء حيدر العبادي وهي منحصرة في التحرير وإعادة النازحين مع إصلاحات طفيفة لا تمسّ جوهر عملية المحاصصة ومخلفات السياسة الطائفية اعتماداً على مشروع وطني إصلاحي يعد للتغيير الشامل.

الرابع: محاولات لخلق الفتنة بين الإقليم والحكومة العراقية والمطالبة بإبعاد البيشمركة من المساهمة بالتحرير بحجة الهيمنة على المناطق المشتركة الخاضعة للمادة 140 من الدستور وزجّ بعض الميليشيات من الحشد الشعبي غير الخاضعة للقائد العام أو غيره من المؤسسات الأمنية كالجيش والشرطة الاتحادية بعد التحرير للهيمنة واستخدام القوة والانتقام من السنّة بحجّة داعش وهذا ما حصل فعلاً في مناطق أخرى

إن المطالبة بالإصلاح والتغيير الجوهري قبل وبعد تحرير الموصل يتطلب إلى تغيير نهج المحاصصة نحو الإجماع الوطني الذي يهدف إلى خلق قاعدة صحيحة للانطلاق نحو المصالحة الوطنية الحقيقية ليس مع أدوات الإرهاب أو العنف الطائفي بل مع جميع المكونات من اجل البدء بالبناء والتعمير وإعادة التلاحم بين المكونات العراقية، أما التوجّه لكي تتأزّم الأوضاع فهو يهدف إلى خلق قاعدة معادية لأي تحول وطني ديمقراطي والهدف منه قيام كارثة بعد تحرير الموصل وفي مقدمتها حرب أهلية قد تمتدّ إلى كل أنحاء العراق.

التكهّنات والتوقّعات والاستنتاجات ليس منحصرة داخلياً بالعراقيين فحسب بل إنها توقعات غير قليلة خارجياً، ولأننا لا نريد الإسهاب في ذكر الكثير منها وعن توجّهاتها المتداخلة كما هو الحال داخلياً نمرّ على واحدة منها لأهميتها ولأن صاحبها جنرال أمريكي مهم هو دفيد بتراوس وقائداً للقوات الأمريكية أثناء عامي 2007 و 2008 وهو مدير سابق لوكالة المخابرات الأمريكية فقد نشر تصريحه في شفق نيوز بتاريخ الخميس 18/8/2016 حيث قال بتراوس "السيناريو الأسوأ الذي قد يواجهه الرئيس الأمريكي القادم هو أنه قد يضطر لإرسال المزيد من القوات للعراق وربما قد تشارك هذه القوات في معارك فعلية للحيلولة دون حدوث انهيار محتمل للوضع في العراق وعودة الأوضاع فيه إلى حافة هاوية الحرب الأهلية التي شهدها البلد في العام 2006" وعقب أيضاً بالتأكيد "احتمالية وقوع حرب أهلية سيكون أسوأ سيناريو" هذا الجزء الصغير من تصريح أطول وشامل لا يدلُّ عن سذاجة سياسية أو عسكرية بقدر ما هو استنتاج وتوقّع مهم ضرورة تدقيقه من قبل رئيس الوزراء حيدر العبادي والقوى المتنفذة التي تهيمن على القرار السياسي في العراق ولهذا تلوح في الأفق تداعيات تهويل ما بعد تحرير الموصل مفادُها أن الأوضاع التي تفجّرت قبل الاستيلاء على الموصل ومحافظات أخرى سوف تتفجّر ولكن بشكل آخر لن يكون لداعش والإرهاب يدٌ فيه بل للاستياء من ما قد يحصل من تداخلات من قبل الحشد الشعبي وبالأخصّ الميليشيات الطائفية المنفلتة التي لا تأتمر بالقيادة العسكرية الرسمية، لا بل الحكومة العراقية وهذا الانفجار المتوقّع سيشمل قطاعات واسعة من الجماهير التي ترى نفسها مهمّشة إذا ما استمر النهج الطائفي واستمرّت سياسة التهميش، ولهذا فإن المخاوف من تداعيات كارثية بعد تحرير الموصل، ولقد انبرى العديد من القوى الوطنية والديمقراطية لمشروع تقسيم البلاد عن طريق إثارة الفتنة الطائفية واستغلال تداعيات الأوضاع السياسية الشاذّة منذ تشكيل الوزارة العراقية وبخاصة إبراهيم الجعفري وما بعده نوري المالكي الذي ساهم في استيلاء داعش على الموصل ومناطق أخرى عن طريق هروب قادته العسكريين واعتبرت ذلك نكتة تسليم نينوى "يداً بيَد" بدون أية مقاومة تذكر، وقد كلّف ذلك العراق والشعب العراقي والدولة خسائر بشرية ومادية لا تحصى كي يعاد تحرير المناطق من داعش والإرهاب بكل أصنافه، إلا أن التحرير وما بعده سيكون بثمن باهظ وهذا ما جاء على لسان واثق الهاشمي الذي يطلق عليه "الخبير السياسي"، فقد صرّح الهاشمي ونشرته "عين العراق نيوز: أنّ "تحدّي تحرير مدينة الموصل من تنظيم داعش الإرهابي ربما يمثل الخطوة الأقل خطورة وصعوبة من مرحلة ما بعد تحرير المدينة". وعلى الرغم من اختلاف وجهات النظر مع واثق الهاشمي فيما يخص دور الإقليم وبالذات دور قوات البيشمركة فقد نوّه الهاشمي إن الإقليم له نيّة سياسية مبيتة للاستيلاء على الأراضي التي تُحرّر بواسطتهم فقد قال انه "لا توجد أية ترتيبات سياسية حتى الآن بين بغداد وأربيل لمرحلة ما بعد تحرير الموصل والتركيز فقط على عمليات التحرير والخطط العسكرية، وهذا الغموض سيدخلنا بمشاكل وأزمات خطيرة جدا" وقد نتفق مع الهاشمي على الرغم من اختلافنا معه في قضايا أخرى تخصّ ما بعد التحرير، في مقدمة هذه المشاكل التي سيخلفها تحرير نينوى من داعش ورفض دور البيشمركة أو البقاء بعد التحرير يجب أن يتم حلُّها بشكل يزيد الثّقة والتلاحم وعدم ترك الأمور على الغارب كما حدث لقضايا أخرى فقد صرح رئيس الوزراء، حيدر العبادي مساء أمس الثلاثاء 17/8/2016، أن "هناك تفاهماً مع إقليم كردستان، بأنه لا يجب على البيشمركة أن تتحرك من أماكنها أثناء عملية استعادة الموصل أو أن تتوسّع، ويجب أن تبقى في مواقعها الحالية، حتى إذا قامت بمساعدة الجيش العراقي".

بعدها أعلن المتحدث باسم حكومة الإقليم، سفين دزيي في تصريح صحفي، "أن البيشمركة ستستمر في تقدمها حتى تحرير كل المناطق الكردستانية في محافظة نينوى" ثم أضاف أن "البيشمركة لن تنسحب من المناطق التي حررتها أو التي ستحررها في المستقبل". هذه الخلافات في وجهات النظر تعتبر مؤثرة وخطرة قبل تحرير نينوى لأنها ستخلق مشاكل جديدة تعمِّق الخلاف بدلاً من تسويته وبخاصة إذا لم يجر التفاهم بين الإقليم والحكومة العراقية حول فترة ما بعد تحرير نينوى من الإرهاب والاتفاق حول دور البيشمركة وتحديد مسؤولية الحشد الشعبي ولجم الميليشيات المنفلتة التي لا تخضع للقرار الحكومي والمؤسسات الأمنية والاتفاق بشكل واضح على حلّ المشاكل بدون أية مفاجأة أو خلافات سوف تُستغلّ من قبل القوى المعادية للعملية السياسية وتعمل ضدَّ استقرار الأوضاع، وفي هذه المناسبة دخلت وزارة البيشمركة على الخط منهية الحديث حول بقاء القوات "تحت أمرة قيادة قوات بيشمركة كردستان" أشارت إلى أنها "ستبقى تدافع عن المناطق التي تمّت استعادتها من قبضة "داعش" والبقاء فيها لحين إبعاد خطر الإرهاب" هذه الخلافات الظاهرة في الخطابات والتصريحات بين الحكومة المركزية وحكومة الإقليم طغت على الأوضاع السياسية ودور الولايات المتحدة الأمريكية المعلن من قبل مارك تونر المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية فقد صرح بشكل واضح على ضرورة إخضاع قوات البيشمركة وجميع الجماعات العراقية تحت "أمرة وسيطرة الحكومة العراقية والجيش العراقي" مما أثار ردود فعل لدى البعض من قادة البيشمركة حيث تم رفض الفكرة استناداً إلى الدستور العراقي حسبما أكدته وزارة البيشمركة أوضحت في بيان نشرته "شفق نيوز" أن قوات البيشمركة هي ضمن منظومة الدفاع الاتحادية لكن الحكومة العراقية لم "تقدم أية مساعدات لها من ناحية التدريب أو توفير المستلزمات العسكرية.

وأضافت: "الوزارة رافضة فكرة جعل قوات البيشمركة تحت إمرة الحكومة المركزية" وأكدت أنه "على الرغم من ذلك فإن البيشمركة أبدت استعدادها للتوافق ومساعدة القوات العراقية في موجهة الإرهاب، وأثبتت هذا الأمر فعليا".

إن عملية تحرير نينوى ليس بالمهمّة السهلة حسب التصريحات الرنّانة التي يتفوّه بها البعض من قادة عسكريين وقادة من الحشد الشعبي والبعض من قادة الميليشيات الطائفية المتطرفة لأننا تابعنا وما زلنا نتابع سير العمليات العسكرية في محافظة ديالى وحزام بغداد والفلوجة وصلاح الدين وكركوك والانبار التي خلفت الآلاف من القتلى والمصابين ومليارات من الدولارات تكلفة الأسلحة المختلفة التي استعملت فيها ومئات الآلاف من النازحين والدمار والخراب الواسعين النطاق، إضافة إلى المخلفات الاجتماعية والأخلاقية وما حصل من شقٍّ في النسيج الاجتماعي. ومن هذا المنطلق يجب عدم الاستغناء عن أي جهد وطني وقوى وطنية والعمل على مشاركتها في التحرير بدون أية اتهامات أو منغصات أو تهميش، ومن الضروري الانتباه لمعالجة أية تداعيات بعد التحرير قد تدفع إلى حرب أخرى بدعاوى أخرى لان أي عمل يمسّ حقوق المكونات التي تشكل الأكثرية في المناطق التي احتلها داعش سيجعل الأمور أكثر تعقيداً وقد تدفع مجمل العملية إلى حرب أهلية وطائفية وهي كارثة ما بعدها من كارثة.

 

 

 

 
   
 

التعليقات : 0

 

   
 

.