3

:: رياض أفندي والخواجة بيلا.. الصورة الأكبر ::

   
 

التاريخ : 25/08/2016

الكاتب : د . أحمد الخميسي   عدد القراءات : 621

 


 

 

 

ظهرت أول آلة تصوير عام 1839 بفضل "جاك مانديه داجير" الفرنسي، وبعد شهور قلائل جلس محمد علي باشا في 7 نوفمبر داخل قصره بالاسكندرية ليلتقطوا له أول صورة فوتوغرافية في تاريخ مصر. عندما رأى الباشا الصورة صاح بذهول: "هذا اختراع شيطاني"! وقرر نشر هذا الفن الجديد في مصر، لكنه لم ينتشر بسلاسة، فقد واجهته عاصفة من هجمات رجعية لتحريمه بدعوى أن التصوير "وثنية"، إلا أن الشيخ محمد رشيد رضا تصدى لذلك التيار على صفحات مجلة المنار مؤكدا أن عبادة الصور حرام، أما التصويرُ بحدِّ ذاته فأمرٌ نافعٌ للبشرية في مجالات الطب والتشريح وغيرهما، وأفتى الإمام محمد عبده بمثل ذلك حين كتب عام 1902 عن الصور والتماثيل يقول: "إذا كان القصد منها تصوير هيئات البشر في انفعالاتهم النفسية وأوضاعهم الجسمانية فهل هذا حرام؟" ودخل الشيخ محمد بخيت مفتى الديار حينذاك المعركة وأباح التصوير في كتاب ألفه خصيصا بعنوان "الجواب الشافي في إباحة التصوير الفوتوغرافي"، وبين فيه أن التصوير مجرد: "احتباس ظلّ"، مثلما يحدث حين يقف شخص أمام مرآة ويتم احتباس ظله فيها بينما يروح الشخص ويجيء في مكان آخر حرا. ولم تمنع زوبعة التخلّف الفكري انتشار التصوير.

وبعد نحو أربعين عاما من ظهور الكاميرا هاجر إلى مصر رجلٌ مجريٌّ دقيقُ الجسم، لطيفُ المعشر، اسمُه "بيلا" وأنشأ عام 1890 أول استديو للتصوير الفوتوغرافي في مصر. عرفه الناس باسم "الخواجة بيلا" وكان مندوب العائلة المالكة يأتي إليه من قصر عابدين ليدعوه إلى تصوير أفراد العائلة في القصر. فيما بعد باع الخواجة" بيلا" الاستديو إلى فهمي باشا هيبة بشرط ألا يغير نظام العمل فيه، فظلَّ الاستديو باسم "بيلا". وبرز شخص آخر هو رياض أفندي شحاته الذي اتّخذ محلا له بشارع الفجالة، وكتب أول مرجع في التصوير نشرته دار المعارف عام 1910، وأصبح مصور الملك فؤاد والملك فاروق الشخصي.

هكذا شقّت الفوتوغرافيا طريقها بفضل محبّي الفن مثل رياض أفندي شحاته والخواجة "بيلا" المجري، ومن قبلهما كوكبة كبيرة من العلماء ساهموا على امتداد تاريخ طويل في تطوير مبادئ التصوير والعدسات والبصريات وصولا إلى الكاميرا. وكان الحسن بن الهيثم (965م- 1040م)  عالم البصريات الفذّ أول من وصف الكاميرا وقدّم وصفا واضحا للغرفة (كاميرا) المظلمة والغرفة ذات الثقب في كتابه "المناظر"، وتكريما لدوره في العلم أطلق اسمه عام 1999 على أحد الكويكبات المكتشفة حديثا.

بعد نحو خمسمائة عام من اكتشاف ابن الهيثم توصّل ليونارد دافنشي إلى الاكتشاف ذاته عام 1490، وأشار إلى الغرفة المغلقة (الكاميرا). إلا أن تأريخ بداية التصوير ينطلق من عام 1839 حين ظهرت بشكل تجاري أول كاميرا على يد الفرنسي "جاك مانديه داجير"، ولهذا يحتفل العالم هذه الأيام بمرور 177 عاما على ظهور التصوير. وسنجد في قصة "الكاميرا" جوانب كثيرة جديرة بالتأمل، لكن أهم تلك النواحي هو تلاحم التعاون الانساني من أجل الحقيقة، والمعرفة، التلاحم الذي يمد أياديه لبعضه البعض من أدنى نقطة في كوكبنا إلى أبعد نقطة، ليظهر لنا أن البشرية تتقدم معا، كتفا بكتف: رياض أفندي المصري مع الخواجة "بيلا" المجري، الحسن بن الهيثم العربي مع ليونارد دافنشي الإيطالي، "جوهان تزان" الألماني الذي ابتكر نظام الصورة مع "هنريك لامبرت" السويسري.

تحتشد البشرية كلها وراء كل حقيقة، ومعرفة، من دون تمييز بين أديان أو أجناس أو أعراق، كتفا بكتف، وتمضي إلى الأمام. ومن لم يكن بوسعه أن يدفع العلم إلى الأمام فقد دفع عنه الظلام كما فعل الشيخ بخيت بكتابه الشيق "الجواب الشافي في إباحة التصوير الفوتوغرافي". تحية لرياض أفندي وللخواجة "بيلا" ولكل من يسيرون معا نحو نور العلوم والفنون.

هذا التلاحم هو الصورة الأكبر والأجمل التي التقطتها الكاميرا للبشرية وهي تشقُّ طريقها بنشيدٍ واحدٍ وشَغَفٍ مشترَك.

د. أحمد الخميسي. كاتب مصري

 

 

 
   
 

التعليقات : 0

 

   
 

.