3

:: عزيزي جلال الرومي.. كلمني على الماسنجر! ::

   
 

التاريخ : 18/08/2016

الكاتب : د. أحمد الخميسي   عدد القراءات : 725

 


 

 

توفي الشاعر الصوفي الكبير جلال الدين الرومي عام 1273 م، أي منذ أكثر من سبعمائة سنة، لكن قصائده مازالت حيّة تصدح بقوّة، ومنذ فترة صغيرة أنشأ البعض من محبّيه صفحة باسمه في فيس بوك لاستحضار سيرته وقصائده. وحدث أن توقفتْ شابّة عند الصفحة بالمصادفة وأُعجبتْ بقصيدة فعلّقتْ عليها مخاطبة جلال الدين الرومي بقولها:

"إيه الحلاوة دي يا جلال؟! مش ممكن يا إبني! أنت شاعر طحن مش أي كلام. المهم ما تكونش بتضيّع وقتك في قهوة البستان مع العيال الصايعة اللي هناك. اسمع كلامي وركّز في الكتابة واستمرّ. دِلْوقتِ أنا مع خالتي بسّ ح أكون في البيت كمان ساعتين. كلِّمْني على الماسنجر".

توقيع: فريدة. ملِكة الإحساس.

بالطبع لم يستطع جلال الدين الرومي أن يشكر فريدة "ملِكة الإحساس" على إعجابها به وذلك لموانع كثيرة أحدها أنه متوفٍّ من زمن. وإذا نحن نحَّينا الجانب المضحك من الموضوع، سيظلّ لدينا سؤال: ما مغزى هذه الحادثة الصغيرة؟ مغزاها الأساسي أن التعليم في المدارس عندنا، خاصة في مجال اللغة والشعر والأدب عاجز وفاشل حتى أن الشباب لا يعرفون "جلال الدين الرومي"، وإذا أمسى من الممكن مخاطبة شاعر عظيم بعبارة "إيه الحلاوة دي ياجلال؟" فلن أستغرب إذا خاطب البعض المتنبى بقوله "يا كوتو موتو أنت يا مبدع"!

لدينا مشكلة في التعليم، وخاصة فيما يتعلق بالأدب والشعر، إذ يتم وضع المناهج الأدبية من قبل مجموعة من الموظفين لا علاقة لهم بالأدب، ولا ذائقة، ولا فهم، ومن ثم يتحول الشعر العربي بكل ثرائه إلى نوع من جلْد التلاميذ وتعذيبهم وتلقينهم كراهية الشعر. وعادة ما تبدأ المناهج عندنا بأسخف نماذج الشعر القديم من نوع ما كتبه النابغة الذبياني: "أتاني أبيتُ اللَّعن أنك لُمتَني"، ولكي نثأر من التعليم كنا نردّدُها: "أتاني أكلتُ اللّحم أنك قفشتني"! في اعتقادي أن تعليم الشعر العربي يجب أن يبدأ بتحبيب الشعر إلى التلاميذ، مما يقتضي أن يبدأ تعليم الشعر بشعراء العصر الحديث أولا: إبراهيم ناجي، ومحمود حسن اسماعيل وغيرهما من شعراء أبوللو، ثم رجوعا إلى حافظ إبراهيم وشوقي، ثم رجوعا إلى ما قبل ذلك، وصولا إلى الجاهلية. من خلال الشعر الحديث، الذي تخلّى عن الكلمات والصياغات المهجورة، ما يمكن معه للطالب أن يحب الشعر العربي.

يتبقّى اختيار القصائد، ولهذا ينبغي أن تتشكّل لجنة من الأدباء والشعراء لتضع المنهج مع وزارة التربية والتعليم، لكي يتوقف دور الوزارة في تبغيض الشعر إلى الطلاب، بحيث نجد أننا إزاء حالة من تفشّي الجهل تحديدا في مجال الأدب. وأذكر أن عبقريات العقّاد – خلال دراستي في الثانوية العامة – كانت على سخافتها مقرّرة علينا، وفوجئت بعد ذلك بطه حسين يقول عن إحدى تلك العبقريات إنه "لم يفهمها" وذلك في لقاء تلفزيوني نادر مع أدباء مصر والمذيعة ليلى رستم. وإذ كان طه حسين لم يستطع أن يفهم مقرّرات وزارة التربية، فمن الطبيعي أن يكون جلال الدين الرومي لدي الشباب "جلجل" الذي ينتظرون مكالمته على الماسنجر، وأن يغدو أبو العلاء المعري "علوة يا عسل.. يخرب عقلك.. أنت تجنن"!

د. أحمد الخميسي. كاتب مصري

 

 

 
   
 

التعليقات : 0

 

   
 

.