3

:: الأنبوش، الأنابيش ::

   
 

التاريخ : 17/08/2016

الكاتب : توفيق أبو شومر   عدد القراءات : 407

 


 

 

تقول معاجم اللغة:

نبش الشيء: أبرزه

ونبش الأسرار: أفشاها

وانتبش الشيء: استخرجه من مخبئه

وأنابيش الكلأ: ما برز على وجه الأرض

والأنبوش: الغرسة المقلوعة

قال الشاعر الجاهلي أمرؤ القيس:

كأنّ السبـــاعَ فيه غرقـــى عشـيـَـــةً    بأرجــائه القُصوى أنابيـشُ عُنصُـلِ

يتحدث أمرؤ القيس عن سيلِ جارفِ، جرف السباعَ، فاختلطت أجسادُها بالطين، والماء، فصارت تشبه جذوعَ البصل البريِّ، هكذا رسم، امرؤ القيس بالكلماتِ لوحةً فنية خالدة.

بعيدا عن معاجم اللغة ومرادفاتها!!

 هناك نوعٌ آخر من الأنابيش لم تفطن له كل المعاجم والقواميس.

انتشر في زمننا نوعٌ من أنواع [النبش] يستطيع كل من يُتابع الحياة، ويُدقّق في الوجوه أن يراه في وضح النهار. بالمناسبة، ليس النبش المقصود كذلك من فئة النبشِ عن الكنوز، أو نبشِ السير، والحكايات، والأقاصيص.

النابشون الذين أعنيهم يبحثون عن مخبوءاتٍ ما خطرتْ على بال أحد، والنّبش الذي أقصده ليس سمة فردية، بل إنه ظاهرة اجتماعية واسعة الانتشار، يشترك فيها الكبير والصغير.

وهو أيضا يُوَّرثُ للأبناء، والإخوة، والعائلة وحتى للأصدقاء، كما أن النابش لا يحتاج إلى معولٍ، لأن آلته ميسورة للجميع، وكذلك حفرة النّبش!

كل المطلوب، سبابةُ إصبعٍ وفتحةُ أنفٍ!

تبدأ المطاردةُ الكبرى، بين النابش والمنبوش، مع العلم أن أحلى ساعات النبش تكون في الصباح، قبل طلوع الشمس، وتتراوح النبشات، بين النبشة السريعة، والبطيئة، والقصيرة والمديدة، والسطحية، والعميقة!

 وتُحدد طريقةُ النبش بعوامل عديدة منها:

 سعةُ فتحة الأنف، وكفاءة النابش ودُربته في هذا المجال، وخلو المكان من المشاهدين.

تبدأ المطاردةُ الكبرى داخل إحدى فتحتي الأنف، إلى أن تستسلم الفريسة، وتخرج من مكمنها، حينئذِ يبتسم النابش، وهو يردّد قول الشاعر:

تمرُّ بك الأبطالُ كلمى هزيمة ووجهك وضَّاحٌ وثغرك باسمُ

ومن النابشين من يُمثِّلون بجثة الفريسة، غير عابئين بمقولة أسماء بنت أبي بكر:

أيضرُّ الشاةَ سلخُها بعد ذبحها؟!

ومن النابشين من يفشل في التخلُّص من المنبوش، فيعمد إلى إلصاقه بما حوله من أشياء مستغلا غفلة الآخرين عنه.

وعادة النبش، صارت ظاهرة اجتماعية يمارسها كثيرون، غير أنها تزدهر بين سائقي السيارات ولعلّ في الأمر سببا، فالسائق يطارد فرائسه كيفما كانت، فإن عَدِم فرائسَ الركاب، فلا أقل من فرائس الأنوف!

حاولتُ أن أتابع النابشين من السائقين عند إشارة مرور، فقد كانوا كثيرين، وكانت أصابع بعضهم تختفي بكاملها داخل الجيوب الأنفية، على الرغم من أن الأنوف تبدو في الظاهر أصغر من الأصابع (المرودية)، نسبة إلى المرود الذي يدخل في زجاجة الكحل!

واستنتجتُ بأن بعض الأصابع نجحتْ في دخول فتحة الأنف الأخرى، لمطاردة الفريسة في الفتحة الثانية... فنبشة واحدة خيرٌ من نبشتين.

ولا مفرّ في نهاية المطاردة من إدماء الفريسة، لأن النهاية دائما تكون نهاية دموية!

علينا أن نعترف بأن العربَ أكثر شعوب الأرض نبشا، فنبشهم في أنوفهم، يُخفف عنهم وطأة نبش رجال المخابرات عن أفكارهم المناهضة لحاكميهم، ويُنسيهم نبش حُكَّامهم في جيوب شعوبهم!!

(من كتاب أنابيش)

 

 

 

 
   
 

التعليقات : 0

 

   
 

.