3

:: عندما تحدث برهان غليون عن الولاء والبراء ::

   
 

التاريخ : 06/08/2016

الكاتب : مازن كم الماز   عدد القراءات : 447

 


 

 

"ما يجري في المشرق العربي وفي سورية خصوصا" شيء غير مسبوق، لم يترك شعب في التاريخ لمصيره كما حدث مع الشعب السوري دون أن تأتي الأساطيل أو البوارج أو قاذفات ال ب - 52 لتنقذ الضحايا.. خلافا للثورات الانكليزية والفرنسية والروسية والأمريكية والصينية، وآلاف الثورات المهزومة من فجر التاريخ وحتى يومنا، لم يأت أحد لإنقاذ الضحايا، ولأن هذا غير مسبوق البتة في تاريخ ثورات العالم والشعوب كما نرى، ولأن السياسة قد أصبحت فجأة لا مبدئية ولا أخلاقية على عكس ما كانت عليه دائما منذ وجدت البشرية ومنذ ظهر أول حاكم وأول جنرال وشرطي على هذه الأرض، لهذا السبب بالذات فإن أدوات التحليل التقليدية للصراعات السياسية لا تكفي هنا، لأن ما يجري ليس سياسيا بالمعنى الشائع أو المعروف، بل مؤامرة، أو استمرار للحروب الصليبية أو حتى قبل ذلك بكثير... يذكرنا الدكتور غليون أن أوروبا كانت في بربريتها خاضعة للهيمنة الفكرية والسياسية والعسكرية لإمبراطوريات الشرق، لكن القضية لم تكن فقط "احتلالا" سياسيا أو عسكريا، فهذا الشرق شكّل منذ أقدم العصور مهداً لحضارة كونية، مما يعني أن حدودها لم تقتصر على أرضنا، لا أعرف هل يقصد الدكتور غليون هنا عالم الجن أم يقصد كواكب ومجرات أخرى... ويؤكد لنا الدكتور غليون أن هذه الحضارة قد أدت إلى التقريب بين، أو توحيد، أنماط سلوك وأفكار أفرادها، لتصبّ أخيرا في بوتقة الإسلام، من حمورابي حتى الاسكندر وأباطرة روما انتهاءً بسليمان القانوني. كان كل هؤلاء تجليات لشيء واحد يسميه الدكتور غليون، بسبب ضيق الوقت، بالمشرق ويعتبر أن الإسلام هو تجليه الأخير على هذه الأرض، أما الغرب فلم تقم له أية قائمة إلا على أشلاء المدنيات الأخرى، ولهذا فهو في حرب شعواء دائمة ضدنا، ضد ذلك المشرق، وضد الإسلام، حرب تأخذ شكل مؤامرات لا تنتهي.. ويؤكد الدكتور غليون، أن تلك الحرب أو المؤامرة ما تزال مستمرة... لكن المؤامرة ليست جديدة كما قد يعتقد البعض، إنها قديمة جدا، فعندما ضرب الحجاج مكة واستباح المدينة جرى ذلك بتآمر صريح من امبراطور الروم الذي لم يهب لنجدة الثوار ليوقف المجزرة، واستمر تآمر امبراطور الروم وملك الأحباش وغيرهم من ملوك الفرنجة وهم يتفرجون على أفواج الثوار المتتالية من خوارج وزيديين وقدريين وجهميين ومتنبئين وطامعين بالحكم دون أن يهبوا لنجدتهم تحقيقا لشعارات الكنيسة المعروفة، وربما كانت المؤامرة أقدم حتى، فلم يهبَّ أبرهة الحبشي مثلا لمساعدة شعراء الصعاليك ولا امرئ القيس ضد خصومهم، متآمرون !!!.. من الواضح أن احتلال الشرق للغرب ليس حربا ولا مؤامرة عند الدكتور غليون، بل تحضيرا للغرب عند إخواننا العلمانيين، أو خلاصا روحانيا للغرب عند إخواننا المسلمين، الذي هو بالمناسبة نفس ما يقوله المستشرقون على الجهة المقابلة عن احتلال الغرب للشرق... يذكرني كلام الدكتور غليون أستاذ علم الاجتماع السياسي ومدير مركز دراسات الشرق المعاصر في جامعة السوربون بكلام دكتورنا هاني السباعي الذي اعترض على وصف ما تعرض له الزنادقة على يد "دولة الخلافة" "بالاضطهاد"، "فاضطهاد المهدي للزنادقة هو جهاد شرعي، وعنف المهدي مع الزنادقة من باب قوله تعالى "و ليجدوا فيكم غلظة"... عندما نقمع الآخرين فهم ليسوا ضحايا، وعندما يقمعنا الآخرون فهم ظلمة وطغاة... والتاريخ ليس إلا سلسة طويلة من المؤامرات، كل تراجع وهزيمة تعرضنا لها حتى اليوم، بما في ذلك هزائم الثورة السورية، كان نتيجة هذه المؤامرات، سقوط بغداد كان سببه ابن العلقمي وسقوط خلافة بني عثمان كان نتيجة تآمر كمال أتاتورك ويهود الدونمة، طبعا بغض النظر عن أن الخلافة العباسية وبعدها العثمانية كانتا قد أصبحتا دولا ضعيفة مريضة عاجزة عن الدفاع عن نفسها، رجل الشرق المريض ورجل أوروبا المريض، قبل سقوطها بوقت طويل، وبغض النظر عن أن المفترض أن إرادة الله فوق الجميع، فوق إرادة أتاتورك أو ابن العلمقي، أو باراك أوباما... وها نحن اليوم أمام حرب كونية جديدة على مجتمعاتنا، التي يرى أستاذنا أن الإسلام هو هويتها أو مركزها أو جوهرها الخ، ما يجري اليوم ليس نأيا بالنفس من جانب كبار هذا العالم بل أكبر تدخل يريد استبدال الدول القائمة بميليشات وعشائر وطوائف وحشود.. نحن أمة واحدة، أما تقسيمنا طوائف وعشائر فهو، كالعادة، مؤامرة علينا.. وأخيرا نصل إلى جوهر المؤامرة وحقيقتها : إنها تهدف لمنع ظهور قيادة جديدة فاعلة، يسميها بالقيادة التاريخية التي تتجاوز فكرة شخص أو أشخاص يتخذون القرار إلى شخص أو أشخاص يرون الواقع بشكل صحيح ويحددون الأهداف والوسائل الصحيحة، ناصر أو صدام أو أسد حقيقي بدلا من المزيف، أين أنت أيها المخلص ؟؟!... فعلا دكتورنا العزيز، إننا نفكر تقريبا بنفس الطريقة، نحن "موحدون" جدا في وعينا وتفكيرنا وسلوكنا ونظرتنا لأنفسنا و"الآخر" وانتظارنا، الذي طال لكنه لم يمت، للمخلص أو للفوهرر القادم، ما قلته يا سيدي ليس إلا درسا بليغا في الولاء والبراء، لا فض فوك... 

 

 

 

 
   
 

التعليقات : 0

 

   
 

.