3

:: تعليق على مقال ياسين الحاج صالح: سورية في العالم، العالم في سورية ::

   
 

التاريخ : 14/07/2016

الكاتب : مازن كم الماز   عدد القراءات : 633

 


 

 

لا يمكن للمرء إلا أن يتفق مع الكثير من أفكار المقال ومع استنتاجه الرئيسي، أن العالم الحالي ذو إدارة سيئة وأن محاباته للأغنياء والأقوياء مشينة وأن تغيير نظامه ملحٌّ. لكن، مع ذلك، هناك بعض الأفكار التي تستحق وقفة تأمُّل..

يقول الكاتب أن "سوريين قد عرضوا حججا سياسية وأخلاقية تدعم قضية أن التخلُّص من الدولة الأسدية يخلق السياق الأنسب لمواجهة داعش والقاعدة".. ينتقد الحاج صالح، عن حق، النظام العالمي وحربه على الإرهاب ونزعاته المعادية للديمقراطية، يسميه العالم الأول، الأبيض، الذي يتماهى أو يتشابك بطريقة أو بأخرى بنظامنا الأبيض، المحلي، السوري.. يُفهم من هذا الكلام أن الحاج صالح يرى أنه على نفس النظام العالمي الأبيض، الإمبراطوري، أن يقوم "بتحرير" السوريين السود من اضطهاد السوريين البيض، أي النظام، أن يقوم ذلك الغرب بأداء مهمته التحريرية، التاريخية، مهمة الرجل الأبيض التي توجد في صلب فكرة الاستعمار والإمبراطورية نفسها، لكن بطريقة صحيحة هذه المرة تؤدي لتحرير السوريين السود من اضطهاد الرجل الأبيض المحلي أي النظام، وأن الموضوع لا يتعلق فقط بدمقرطة هذا النظام العالمي نفسه، بل أيضا بمصالحه وبحربه ضد الإرهاب، لتكون فاعلة ومؤثرة وديمقراطية في نفس الوقت.. لقد قام بعض السوريين بعرض ما يكفي من الحجج لإثبات هذا الكلام، لكن النظام العالمي، الإمبراطورية، لم تستمع، "لقد وقع كلامنا على آذان صماء"..

أنا شخصيا لا أستطيع أن أحكم على المسألة حكما قاطعا نهائيا، أن يكون من الممكن للرجل الأبيض، لسيد الإمبراطورية أو العالم بشكل من الأشكال، أن يشعر بآلام السود الذين يعيشون في الأطراف ويهب لنجدتهم وتحريرهم؟... إني أشعر أن مهمة الرجل الأبيض المفترضة تلك أو الأسطورة المؤسسة للإمبراطورية هي مجرد أسطورة أكثر من كونها حقيقة، إنها مبرر أكثر منها سياسة فعلية للإمبراطورية، أو أنها تفسر دائما وفق مصالح الإمبراطورية لا أطرافها، مصالح السوريين السود في هذه الحالة.. وأيضا أجد نفسي أقرب للفرض القائل بأن السياسة في عصر الثورة هي أكثر من مجرد تقديم حجج لهذه القوة السلطوية أو تلك.. لكن مع ذلك، يبقى من غير المعقول استبعاد أية وسيلة ممكنة لإنقاذ ملايين السوريين من براثن نظام قاتل لا يتورّع عن فعل أي شيء فقط بسبب كرهنا للإمبراطورية وشبكة الهيمنة التي تنسجها حول العالم أو بسبب صمتها عن عذابات الكثيرين، جيراننا الفلسطينيين مثلا.. لكن للأسف أن الإمبراطورية هي التي تقرر الأنسب لمصالحها لا نحن.

من الواضح أن الحجج التي يتحدث عنها الكاتب لم تكن كافية للإمبراطورية لتتدخل ولتنقذ هؤلاء السود من براثن قاتلهم، وأن هذا الكلام صحيح حتى الآن وعلى الأرجح أيضا في المستقبل القريب... وأجد نفسي مدفوعا للتذكير ببعض الأحداث التاريخية ذات الصلة، كما أعتقد، والتي قد تساعدنا في فهم المسألة بشكل أفضل: في عام 1789 ثار ذوو السراويل الطويلة (آباء البروليتاريا) في باريس ومعهم فلاحو المقاطعات، قطعوا رأس لويس السادس عشر وأثاروا الرعب في قلوب كل الملوك والنبلاء والقساوسة.. كانت ثورة السود الفرنسيين، إذا استخدمنا مثال الحاج صالح، ولم يحتج هؤلاء لأي محرر أبيض من الخارج لمساعدتهم في إسقاط الباستيل، على العكس، ما حدث يومها كان العكس تماما، لقد جاءت جيوش جرارة بالفعل لكنها جاءت لنجدة مليكهم، لكن ذوي السراويل الطويلة هزموها وحملوا راية الحرية والإخاء والمساواة حتى أسوار موسكو وسواحل الأطلسي.. الحادثة الأخرى في 1866 عندما أقرت ما تسمى بالأممية الأولى شعارها الرئيسي: "تحرر العمال هو مهمة العمال أنفسهم".. وهنا تبدأ الأسئلة تطرح نفسها بنفسها تباعا: هل كان بإمكان تلك المجموعة من السوريين الذين أثبتوا للإمبراطورية بالحجج ضرورة تدخلها في سوريا أن يقوموا بشيء آخر غير تقديم تلك الحجج لمن يُفترض أنه محرّرُهم؟ لا أدري لماذا يلحّ علي جواب يقول بأنه كان من الأجدى تقديم هذه الحجج للسوريين أنفسهم، سواءَ عن ضرورة التحرر من العبودية للنظام الذي يضطهدهم أو عن ضرورة مواجهة داعش وأخواتها لا انتظار أن تقوم داعش بتحريرهم وأن ذلك ليس فقط وهما بل أسوأ بكثير، وأن ذلك كان سيكون أكثر جدوى ربما من تقديم تلك الحجج للإمبراطورية، وأنا هنا ألوم في هذا نفسي أولا، وبكل قسوة ممكنة.. وأيضا المزيد من الأسئلة: هل كان بإمكان ذوي السراويل الطويلة السوريين أن يفعلوا ما فعله نظراؤهم الفرنسيون قبل قرون، بأنفسهم، لماذا لم يستطيعوا أن يقطعوا رأس لويسهم بأنفسهم، من دون حاجة لتقديم أية حجج لأية قوى خارجية، وإذا لم يستطيعوا فعل ذلك اليوم فكيف يمكنهم فعل ذلك غدا أو ذات يوم، مع هذا الـ"لويس" بالتحديد أو مع اي لويس آخر؟ ماذا لو بقيت تلك الحجج غير مقنعة لمن يستطيع تحرير السوريين لكنه لا يفعل، إن القضية الأولى في السياسة كما في فن الحرب، إن كان من الممكن اعتبار الحرب والقتل فنا، هي ألا نكرر نفس الأخطاء وألا نتلقى نفس الهزائم كل مرة، وهذا الكلام موجه تحديدا للإسلاميين السوريين، خاصة عن الذين كانوا في مواقع المسؤولية والقيادة في أواسط السبعينات في الحركة الإسلامية يومها ومازال الأحياء منهم في نفس هذه المواقع، هذا السؤال موجّه لقواعد وجمهور تلك الحركة وليس لأولئك القادة تحديدا الذين لم يقدموا أكثر من تبرير مواقفهم وهزائمهم المتتالية، في النهاية أنت لا تذهب إلى الحرب في كل مرة لتشرح أسباب هزيمتك في نهاية المطاف أو لتفضح بربرية عدوك ولتسجل عليه قتله وذبحه للآلاف المؤلفة في كل مرة، هذه ليست فقط خيبة أو سوء طالع، إنها أيضا بربرية "معكوسة"...

أخيرا : هل كان شعار الأممية الأولى صحيحا، حقيقيا، أم أنه جعجعة ثورية فارغة، وأن تحرير أي فئة أو جماعة من المضطهدين لا يشترط أبدا أن يكون بأيديهم بل يمكن أن يحصل هؤلاء على حريتهم عن طريق قوة ما، من خارجهم، تحررهم من مضطهديهم وتمنحهم حريتهم.. هل كان ماركس وباكونين على خطأ، هل كان عليهما أن يحاولا صياغة حجج سياسية وأخلاقية مقنعة لسادة هذا العالم، بعضهم على الأقل، الأكثر تنورا ربما أو عدالة أو تحضّرا، لكي يتحرر العمال على أيديهم، بإنقاذهم من براثن الأكثر توحّشا وهمجية وقمعية؟.. أخيرا، أريد أن أقول كلمتين عن المثال الذي استخدمه ياسين ليشرح الوضع السوري، مثال السود والبيض.. إني أعتقد أن هذا المثال يسبب خلطا وتشوشا كبيرين في فهم الوضع السوري.. صحيح أن السوريين المهمشين يشبهون وضع السود في أمريكا لكن يصعب وصف النظام السوري بأنه يمثل البيض في أمريكا.. إن علاقة العبودية بين النظام السوري وعموم السوريين تختلف جذريا عن علاقة العبودية التي سادت بين البيض والسود لقرون والتي امتدت طوال التاريخ القديم والمعاصر أيضا حتى أواسط القرن التاسع عشر، كانت تلك منظومة مختلفة، كما أعتقد، عن منظومة الاستعباد الأسدية، التي تشبه أكثر بكثير علاقة خلفاء وسلاطين الدول العربية القروسطية بشعوبهم، أي بأجدادنا.. قد يمكن الافتراض فعلا أن العلويين في سوريا يشبهون البيض في أمريكا، هذا قد يصح من جانب أنه بالفعل يوجد تمييز حقيقي لصالح الفقراء العلويين مقارنة بالفقراء السنة تحديدا، وإن كان هذا التمييز يختفي أو حتى ينقلب ضد الفقراء العلويين عند الحديث عن الأغنياء السنّة.. لقد استعبد قسمٌ من البيض ملايين السود لقرون في أمريكا وأنحاء كثيرة من العالم، منها عالمنا العربي، لكن لم يكن هذا حال علاقة السوريين البيض، العلويين، بالسود، السنة السوريين.. كان العلويون السوريون هم أنفسهم في وضع يشبه وضع السود حتى أوائل القرن التاسع عشر عندما بدأ انعتاق الأقليات في الشرق العثماني مع قوانين التنظيمات وتسارع في ظل الانتداب الفرنسي، لكنهم لم يصبحوا "بيضا" إلا في مرحلة متأخرة جدا، يمكن القول أن هذا قد بدأ عمليا مع منتصف السبعينيات وبلغ ذورته في أيام المواجهة مع الطليعة المقاتلة، تلك الأيام يمكن بالفعل مقارنتها بعلاقة البيض بالسود في أمريكا أيام العبودية.. ويمكن حتى افتراض أن العلاقة بعد تلك الفترة أصبحت تشبه علاقة السود بالبيض بعد لنكولن والحرب الأهلية الأمريكية، أي استمرار "التمييز العنصري" بأشكال ودرجات مختلفة حتى اليوم.. لكن تأريخ العلاقة بين العلويين والسنة في سوريا، على ما قد يوجد فيها من تشابه، خاصة في العقود الأخيرة، مع علاقة السود والبيض الأمريكان، تختلف جذريا عن تأريخ تلك العلاقة... إن استخدام مثال السود والبيض هنا يستدعي حالة شعورية وأحكاما سياسية وأخلاقية لا تتطابق بالضبط مع الحالة السورية، إنه إسقاط أكثر منه تفسير، طبعا إذا افترضنا أن هذا ما كان يفكر به ياسين عندما كتب مقاله..

 

 

 

 
   
 

التعليقات : 0

 

   
 

.