3

:: الشتيمة في الثورة السورية ::

   
 

التاريخ : 12/07/2016

الكاتب : مازن كم الماز   عدد القراءات : 255

 


 

 

الحقيقة أنه عندما تتاح للمرء الفرصة ليشاهد ما تسمى مرايا ثورية أو بقعة ضوء ثورية أو بعض الشباب الذين يستخدمون اليوتيوب ليقدموا نقدا ما للنظام والثورة والواقع السوري، يكتشف المرء بسرعة أن أحد مشاكل الثورة السورية هو في ضعف الخيال عند من يزعمون أنهم صنعوها أو يصنعونها وفي ضعف حسّ الفكاهة عند السوريين عموما.... من الواضح أن أحد أهم الأسلحة التي استخدمها السوريون ضد النظام كانت السخرية والشتيمة، وبدا الموضوع واعدا مع المحاولات الأولى للقاشوش والساروت وبعض الإبداعات الأخرى التي لا يمكن أن ننسبها لشخص بعينه، كـ"يلعن روحك يا حافظ"، لكن فجأة بدأت الأزمة في إبداع الشتيمة البذيئة وحصل نكوص وتراجع وعلِقنا عند أشياء كـ"حزب الشيطان" و"نصر اللات" و"أحفاد القردة والخنازير" و"الأنجاس" وإذا تطلب الوضع، شتم إخت أو أم "أي حدا ما بيعجبك".. إلى جانب الاستعصاء في الثورة السورية ظهر أيضا استعصاء آخر في تطوير الشتيمة الثورية.. لقد استولت داعش أيضا على مخيلة السوريين بفيديوهاتها الهوليودية، وتجلّى ذلك واضحا حتى في الخيال الخاص بالثوار والسوريين عموما، في العجز عن إبداع بذاءات جديدة، وبدرجة تقبّلهم للآخر أو حتى لما كانوا يقولونه في السابق.. بعد أن كان الثوار يهدّدون بشار الأسد وحسن نصر الله علنا بالاغتصاب ويعرضونهم في صور نساء مغريات برأس بشار أو نصر الله أو حتى بشكل مخنثين، انحطّ خيالُهم وتوقّف عند عملية قطع الرقبة فقط، الممارسة اليومية لداعش وأخواتها، وأصبح الكلام عن المثلية الجنسية صعبا أو محرما، حتى عند شتم النظام أو تهديده، مع أنه ما يزال من السهل جدا على أي "رفيق" أو أخ مؤمن أن يبدأ بأم أو أخت كل من لا يعجبه وأن يتبع ذلك بالتكبير...

الحقيقة أن البذاءة أو الشتيمة والسخرية طالما كانت سلاحا مهما ضد الأنظمة والطغاة.. اتَّهم السادات "الحرامية" الذين صنعوا ثورة يناير 77 بأنهم كانوا يتحدثون "ببذاءة"، وقد تحدث عمنا الفاجومي، أحمد فؤاد نجم، بحماسة وإعجاب عن "السفالة" كأرقى مراحل إبداع البذاءة... تجلّت تلك المشكلة أيضا في تفاهة حسّ النكتة عند الإسلاميين عموما، لا يمكن أبدا مقارنة جو تيوب أو جو شو ببرنامج باسم يوسف، رغم أن السيسي لا يقل كوميدية عن محمد مرسي، من نوع الكوميديا السوداء في الحالتين.. كان يفترض أن يساعد انتشار الحشيش، وهو أحد المنجزات المهمة للثورة السورية، على خلق واقع مختلف جدا، على صعيد تطور الشتيمة الثورية، لقد كنت مستعدا في لحظة ما لاعتبار حسن جزرة هو طليعة الجماهير السورية بالفعل، كانت سوريا الجديدة ستبدو "أجمل"، مختلفة، وفي كل الأحوال: كانت ستبدو أكثر سعادة.. لكن عندما تذكرت أن طالبان قد ظهرت في أفغانستان، حيث أجود أنواع الحشيش، الشرعي، تغيرت قناعتي هذه على الفور رغم أن إعجابي بالرجل لم يتغير كثيرا.. لم يتوقف الموضوع فقط على الشتيمة والبذاءة الثورية، لقد فجرت الثورة السورية الليبدو في الجماهير السورية وشاهدنا انتشارا ساخنا للجنس بكل أشكاله وفي كل مكان تقريبا، ساعد في ذلك تحطم المجتمعات التقليدية وتوفر عدد هائل من الأرامل والمطلقات ومن في حكمهن وعدد أقل من الشباب وانعدام أي أمل يتعلق بالغد، المجهول أصلا إن لم يكن الأكثر سوادا من أي ليل عرفناه، طبعا باستثناء تجار الحروب والدم وبزنس الثورة، وقد حاولت داعش وأخواتها أن تسيطر على هذه الظاهرة أيضا برجم الزانيات والقوادات والقوادين، وبإجراء تعداد سكاني لكل النساء في مناطق سيطرتهم، اللواتي في سن الزواج، بدءا بالتاسعة من العمر، لتزويج مقاتليها وانغماسييها، حفظا لهم من الوقوع في الحرام، رغم أنه قد نقل عن وقوع خلافات بين الإخوة المجاهدين على السبايا، وزعم أن بعضها وصل لحد إطلاق النار بين المجاهدين... حتى المظهر الخارجي، كان الشعر المرسل والمنكوش والذقن الطويلة غير المشذبة لشباب الجيش الحر الأوائل، على شاكلة جهيمان العتيبي أو تشي غيفارا، أكثر إبداعا وثورية وجمالا من منظر المجاهد الداعشي بشاربه الحليق وذقنه الطويلة المشذبة، التي تشبه جدا منظر شيوخ الفضائيات الممجوج وثقيل الظل بكلامهم الغليظ وبلاغتهم الغبية...

إن تدمير المخيال الثوري هو الإنجاز الأسوأ لداعش وأخواتها، وإن مشكلة إبداع شتائم ثورية وبذاءة ثورية تناسب الواقع السوري هي مشكلة ملحة جدا، وفقط روح القاشوش والساروت الأولى يمكنها أن تساعدنا في هذا المجال..

 

 

 
   
 

التعليقات : 0

 

   
 

.