3

:: "مواطنون لا أقليات" ::

   
 

التاريخ : 29/06/2016

الكاتب : مازن كم الماز   عدد القراءات : 528

 


 

 

 

استعراض لكتاب

"مواطنون لا أقليات"

الصادر عن مركز أمية للبحوث والدراسات الاستراتيجية 2015،

عمان، الأردن

 

في كراس بعنوان "مواطنون لا أقليات"، صادر عن مركز أمية للبحوث الاستراتيجية، عمان الأردن – 2015، الطبعة الأولى، عرض عدد من المثقفين والسياسيين السوريين آراءهم حول قضية شائكة، هي الطائفية، تحت هذا العنوان العريض والرائع: "مواطنون لا أقليات".. لكن الكراس، الذي يفترض أن يعبر عن رأي الإخوان المسلمين السوريين وحلفائهم العلمانيين، يخلق من التشوش وعسر الفهم، وسوء الفهم، عن هذا الموضوع الشائك المعقد أكثر مما يوضح ويشرح.. رغم أن مدير المركز بسام ضويحي يؤكد في مقدمته أن الطائفية دخيلة على أمتنا وحضارتنا وقيمنا وتراثنا، وأنها فقط نتيجة للمؤامرات والخطط الصهيونية.. ليس رجال الدين هم الذين خلقوا الطائفية، بل السياسيون المأتمرون بأمر برنار لويس وغيره.. وبنفس اللهجة يؤكد الدكتور عبد الله الطنطاوي أننا "لسنا طائفيين".. نعم، وهذا هو الدليل: كان للكاتب جيران "من الأكراد والتركمان والشركس"*، وأصدقاء أكراد وشركس ومسيحيون وعلويون ودروز واسماعيليون، وهكذا أيها السادة، يمكن التأكيد أننا "لسنا طائفيين"، لقد كنا نصادق بعضنا البعض ونعيش بجوار بعضنا البعض، نتحادث، ونتخاصم، وأحيانا حتى نتزاوج الخ الخ.. بل كان هناك سياسيون وضباط كبار ووزراء وبرلمانيون، من غير المسلمين ومن غير العرب، في دول يفترض الدكتور طنطاوي أنها دول عربية إسلامية.. لقد بلغ التعايش ووصلت بهم المواطنة إلى أنهم كانوا يأكلون ويشربون، وحتى يعملون في الدولة والجيش، أحيانا.. لكن كلام الدكتور طنطاوي يخلق من المشاكل أكثر مما يحلها، يعقد المسألة أكثر مما يبسطها، فحتى في ظل نظام الأسد، الذي يصفه الجميع بأنه طائفي، ويصفه بذلك حتى غير الطائفيين، لدينا أيضا جيران علويون ودروز ومسيحيون وأكراد وأرمن وشركس، وهناك ضباط ومسؤولون سنة ودروز واسماعيليون ومسيحيون وأكراد في كل فروع المخابرات السورية في زمن الأسد الأب والابن وفي كل الحكومات السورية في زمن الأسدين، بل غالبا ما ترأس الحكومات السورية الأسدية رؤوساء وزراء سنة!!.. ولأن الدكتور طنطاوي لا يحل لنا اللغز، لنتركه إذن ولننتقل إلى وزيرة ثقافتنا الحرة، لعلنا نحصل على جواب شاف على أسئلتنا.. وبالفعل تأخذنا الدكتورة سماح هدايا إلى الأمام، في عدائها المطلق وإنكارها وشجبها للطائفية وإصرارها على أننا مواطنون لا أقليات في سوريا.. ورغم أنها وزيرة للثقافة الحرة، تبقى لهجة الدكتورة واقعية ولا تندفع كثيرا: تذكرنا الدكتورة أنه "لا يمكن تحقيق دولة مثالية"، وهذه لازمة على لسان المعارضين كما على ألسنة الأنظمة، فعلى الشعوب أن تقنع وترضى، والذي يرضى يعيش، لكن هذا لا يعني طبعا أن ترضى بحكم طائفي نصيري، فالواقع غير مرضٍ ومرفوض طالما كان الحكم لغيرنا، وكان السمع والطاعة لغيرنا، لأن هذا سمع وطاعة في غير محله ولغير أهله، سمع وطاعة لا يراد بها وجه الله، أو وجه الشعب أو الوطن أو الأمة، ولا التعايش ولا المواطنة، الخ الخ، لكن عندما نصبح وزراء حتى لو في حكومة مؤقتة في المنفى، فيعود الواقع واقعا ويجب علينا عندها أن نتخلى عن المثالية في مطالبنا وتوقعاتنا من ولاة الأمر.. تؤكد الدكتورة هدايا: "من الصعب أن يحصل الإلغاء الكامل لاستبداد الأغلبية لكن بناء التعايش المرضي ضمن الصيغ القانونية والدستورية في مفهوم المواطنة ودولة المواطنة هو الأمر الجوهري لأي وطن وأمة"... كلام جميل ورائع ومنمق، يحشر فيه كل ما يفترض أن يجعلك تشهق من السعادة: التعايش إلى جانب القانون والدستور ودولة المواطنة وأولا وقبل أي شيء: الأمر الجوهري... أخيرا، أنت مواطن يا أخي.. وكما قالت العرب من قبل: ارفع رأسك يا أخي.. لكن ليس كثيرا... فـ"التعايش" يقوم "وفق قواعد يتفق عليها الجميع"، أما أساس التعايش فهو "العقل الجمعي" لا "الجماعاتي" (لأن الفرد لا يعيش إلا في جماعة، أرجو ألا ينزعج إخوتنا الإسلاميون من أن هذه الفكرة أيضا هي فكرة ماركسية، بل ولينينية قح.. ماركس أيضا لا يوجد عنده سوى العقل الجمعي، هناك أشياء لا تحتاج إلى وحي من السماء كي يؤمن بها البشر).. وفجأة يأتيك من الأخبار ما لا تتوقع، فجأة تقصفنا الدكتورة هدايا ببرميل تعايش على حين غرة: "لكن عليه (أي الأخ المواطن) أن يبقى مراعيا لقوانين الدولة التي اتفق عليها المجتمع وقواه المختلفة وطوائفه وممثلوه.. وفق أعرافها السياسية والأخلاقية والقانونية"، "أما من لا يتواءم مع متطلبات مجتمعه العليا.. لا خيار أمامه سوى الانكفاء أو الهجرة إلى مجتمع آخر"... "فالوطن يتطلب مواطنا، كذا وكذا، والوطن يريد مواطنا كذا وكذا".. هذا هو التعايش إذن: "عقد بين الذات والواقع": إن لم يعجبك الواقع يمكنك أن تهاجر أو تنكفئ، بكل حرية وتعايش.. هذا ليس تطهيرا عرقيا، إنه ما يريده الوطن، وما يطلبه الوطن، لا ما تريده الدكتورة.. أما إشكالية الهوية فتبدأ "عندما تكون مجموعة الأقليات غير ناضجة حضاريا وأقل تطورا من غيرها، نتيجة التهميش والعزلة، ولديها إحساس بالمظلومية".. و"الأمة لا تعني بالمعنى الصارم عرقا"، "لكنها إطار تنظيمي وسياسي حمل لون الهوية الأكثر ثراءا وقوة وحيوية"، "أما عندما تحمل بالقسر لون عرق فرعي أو مذهب غير قابل للنمو والتطور اجتماعيا فإنها تنهار".. إذن فهو ليس تطهير عرقي، لأن الدكتورة هدايا لا تستخدم مفهوم العرق بالمعنى الذي يستخدمه الفاشيون أو الذي استخدمه هتلر، حاشا وكلا، إنها تستخدمه بمفهومه الوطني، الذي يضع الوطن "فوق الجميع" (ما يجعل هذا الوطن يشبه فجأة سوريا الأسد).. إنه تطهير وطني إذن.. على هذا النسق تستمر الدكتورة في التنقل بسرعة و"مهارة" بين المواطنة والأقليات: "العالم توجهه ثقافة سائدة"، ورغم أنها سائدة لكنها "ثقافة تتشارك فيها الثقافات كلها"، وأيضا: "لا مسوغ للخوف من الآخر ومن الحداثة.. ما دمنا نحافظ على هويتنا"، ثم أيضا: "ثقافات متعددة" و"هوية جامعة"، ووسط هذا التنقل السريع المتعب لعقولنا المتواضعة ووسط براميل المحبة والتعايش والمواطنة التي تقصفنا بها الدكتورة في سماء لا طائفية فيها، تقدم لنا الدكتورة، دون قصد منها على الأغلب، وصفا بليغا لحالتنا: "أما عندما يعمل أحد ما أو فريق أو جماعة على إلغاء هويات الآخرين وتحقيرها أو نبذها أو إقصائها.. فلن تنشأ أمة ووطن ومواطنة.. ستنشأ عصابات وشلل".. كم هذا معبر فعلا دكتورة هدايا.. لكن الكتاب الرافضين للطائفية لا يتوقفون عن فضح الطائفية وإدانتها، ومحاولة قتلها إن استطاعوا إلى ذلك سبيلا، كما قال الإمام علي: لو كان الفقر رجلا لقتلته، ولأنه ليس رجلا، ولأن الفقر هو من يقتل الرجال، لم يقتله لا الإمام علي ولا سيدنا عمر ولا أبو بكر ولا أي من الأئمة والصحابة ولا التابعين، رضي الله عنهم وأرضاهم، لكن لننتظر، فربما يولد لهذه الأمة رجال يقتلون الفقر أخيرا، ويقتلون معه أشياء أخرى طالما حيرت العقول وذهبت بالألباب، والله أعلم.. ويأتي دور الأستاذ محمد السيد ليؤكد ويقسم على "احترام المسلمين لكل مقدسات أصحاب المقدسات الدينية منذ اللحظة الأولى للقاء الإسلام بأهل البلاد التي فتحت وطيلة تاريخ الإسلام".. أهل البلاد التي فتحت، التي فتحها المسلمون، عرفوا ذلك الاحترام، أحسوا به، وستعرفونه أنتم اليوم أيضا، وستشعرون به، يا أبناء الشعوب المفتوحة الذين أصبحتم اليوم مسلمين بفضل من الله، لكم ما لفاتحيكم وعليكم ما عليهم.. طبعا لا حاجة لسؤال تلك الشعوب المفتوحة، أي التي فتحت، يكفي هنا آراء بعض "المستشرقين" "المنصفين"، لأن ما سنقع عليه إذا سألنا تلك الشعوب المفتوحة، أي التي فتحت، هي فقط بعض النزعات الشعوبية المغرضة المتحيزة ضد عدالة الفاتحين، وهل عرف العالم فاتحين أعدل من العرب، وسترون ذلك اليوم بأم أعينكم مرة أخرى كما رآها أجدادكم من قبل.. يذكرنا الأستاذ محمد بقصة عمر بن العاص والقبطي، التي نحفظها جميعا، مسلمين ومسيحيين، وطبعا قصة جبلة بن الأيهم والأعرابي، التي نحفظها جميعا أيضا، مسلمين ومسيحيين، كما هتف ذات يوم الشهيد سمير قصير، إذا جاز أصلا أن نعتبره شهيدا، إلا اللهم لأن من قتله كان كافرا، لكن طبعا من دون ال 73 حورية أو أية قصور في الجنة الخ الخ.. لكن لدي همسة صغيرة للسيد السيد، أخي السيد: يمكنك أن تكرر هذا على أي منبر تشاء، في أي مكان تشاء، لكن أرجو ألا تقوله في وجه أخ مجاهد من إخوانك المجاهدين، ولا أمير من أمرائهم الأشاوس، خاصة كلمات عمر بن الخطاب لجبلة بن الأيهم: "الإسلام سوى بينكما"، كما نصحنا آباؤنا ألا نردد هذه الكلمات في وجه شبيحة الأسد، ولم نعمل بالنصيحة، ولعلك ترى ما نرى.. إن نتائج مثل هذا العمل قد تكون وخيمة.. وكي أريح ضميري وأكمل نصيحتي، أرجوك أخي السيد ألا تذكرها أيضا في أي من بلاد الإسلام، لا القائمة اليوم ولا التي ستقوم في الغد، هذا الكلام مخصص للمنابر فقط يا سيدي، لمخاطبة العامة تحديدا، لا لمخاطبة الإخوة المجاهدين وأمرائهم، ولا لمخاطبة آل سعود ولا ملالي إيران ولا ضباط المخابرات الباكستانية أو لمخاطبة أي من خدمهم وحشمهم أو شرطتهم أو مباحثهم، حمانا الله وإياك من مكائد الشيطان يا أخي... حقا، يا أخي السيد، بمثل هذا حكم الحجاج وزياد بن أبيه وخلفاء بني أمية وبني العباس وبني عثمان، طيب الله ثراهم، وجزاك الله وجزاهم عنا وعن العباد "كل خير"... أما عن "منجزات" المسلمين العلمية فلم أفهم ما تقصده بالضبط يا سيدي.. عدا عن أنك تتحدث أحيانا عن علماء المسلمين، ولم أفهم أي علم تقصد هل كان ذلك علم الفقه أم الحديث أم أسباب النزول، ومرة أخرى تذكر اسم مارق زنديق ملعون كابن رشد، كما أني مضطر لألفت نظرك إلى قضية تتعلق بهذه المنجزات العلمية، قد تكون غابت عنك، لأنها شديدة التعقيد ونادرة الظهور.. إذا نظرت حولك، كل شيء حولك تقريبا، إذا تأملت في سيارتك، جوالك، تلفزيونك، كومبيوترك، ملابسك، الخارجية منها والداخلية، إلا إذا كنت ترتدي العباءة العربية القح، والملابس الداخلية الشرعية السنية للفرقة الوحيدة الناجية رغم أني لا أعرف بالضبط شكل أو لون هذه الملابس، هدانا الله وإياك لما يحب ويرضى من ملبس وغيره، وإذا، أبعد الله الشر عنك وأهلك وعن كل المؤمنين، إذا مرضت أو مرض شخص تعرفه فإن الطب الذي سيشخص ذلك المرض ويعالجه من آلامه، إلا إذا كنت تتداوى وتداوي الناس بالرقية الشرعية، وإذا نظرت في مطبخك يا أخي، وأنت تشرب الماء البارد من برادك، أو تخرج اللحم المثلج من الفريزر الخاصة بك، والفرن الذي تطبخ عليه زوجتك ذلك اللحم، بالصحة والهناء، الخ الخ، كل ذلك هو من "اكتشاف" الغرب الكافر، أهلكم الله يا أخي، ومن تسميهم "علماءنا" الذين لم يكونوا إلا حفنة من الزنادقة الذين لم يكتفوا بكلمات الله وفكروا بطريقة تسمى تفكيرا علميا محاولين فهم قوانين الطبيعة والمجتمع وتسخيرها للبشر، ولا شك عند الكثير من إخوتك وأساتذتك المحترمين من أنهم طليعة المؤامرة على دين هذه الأمة وهويتها.. يمكن أن نشتري البراد أو السيارة، وطبعا الديناميت والبندقية، لكن الفكر الذي ينتجها هو فكر إلحادي مرفوض، غريب، مدسوس، مشبوه، وكل ما يتصل به من شك وحرية في النقد والتأمل والتفكير، هذا فكر تجب حماية الأجيال منه، بكل الوسائل، وأهمها طبعا منعه وملاحقته وتحريمه بقبضة من حديد، أي بالسيف.. أما أننا من اكتشف كروية الأرض، فهلا شرحت ذلك لإخوتك، أتباع شيخنا الجليل المرحوم ابن باز، الذي أصر حتى مات، رحمه الله، أن الأرض منبسطة، وأن الزعم بأنها كروية هو جزء من المؤامرة الغربية الماسونية على ديننا وأمتنا.. وفعلا كما تقول يا سيدي، إن مفهوم المواطنة الذي تقدمه هو المفهوم الصحيح، بل والوحيد: نحن، جميعا كبشر، أمة واحدة، من أب وأم واحد، ودين توحيد واحد، فكيف، ولنا دين واحد وإله واحد، ونبي واحد، لا نكون شعبا واحدا، له قائد واحد، وجيش واحد، الخ الخ، وكيف بعد كل ذلك ( بعد كل تلك الأشياء الواحدة التي تجمعنا )، لا نكون مواطنين ؟.. لقد تفوقت على نفسك يا أخي، وعلى الآخرين في كلماتك هذه: وقد "عاش الشعب السوري غالب الوقت منذ الفتح الإسلامي.. بانسجام تام بين مكوناته، وكان أفق الحريات والحقوق في حدوده المقبولة لجميع المكونات وكان الأفق مفتوحا أمام اي مواطن حتى 1965 ليتسنم أي منصب في الدولة".. لقد حملت كلماتك البشرى لقلبي الحزين ولقلوبنا البائسة من انتظار ما لا يأتي، فهذا وعد صريح منك ومن إخوانك، أننا سنحصل، أخيرا والحمد لله، على كل الحقوق التي كان يتمتع بها "السوريون" منذ الفتح الإسلامي ونفس الانسجام والتعايش، أنت تعدنا جميعا أننا سنحصل على نفس الحقوق ونعيش نفس الانسجام الذي عاشه أجدادنا تحت حكم الحجاج وقراقوش، فيا سعادتنا وفرحتنا يا أخي، أبشروا أيها الجرحى والشهداء، أيها المعتقلون والأسرى، سيحصل آباؤكم وأولادكم، إذا شاء الله طبعا، على كل تلك الحقوق والانسجام، فقروا عينا وارتاحوا في قبوركم وسجونكم، إنه "نسيم الحرية" أيها الرفاق، أو ربما خيل الحجاج... أما الرفيق جورج صبرة فسامحك الله، تقول أن لكل إنسان وطنان، وطنه وسوريا، ناقصنا يعني.. وسامحك الله لأنك ما زلت تقول أن الدين "دينا من أجل خلاص الإنسان ورسالة لتنظيم الشو اسمو.." وأنه "يصبح طائفيا عندما يوظف لأغراض سياسية"، سامحك الله، فأنت لم تحفظ بعد أن الإسلام دين ودنيا، مصحف وسيف، احفظوها بقى.. ولتثبت أننا "لسنا طائفيين" تأتي أنت أيضا بأمثلة لا تختلف كثيرا عن أمثلة من سبقوك ومن سيأتون بعدك: الراهب يوحنا الدمشقي الذي عمل مستشارا ماليا عند عبد الملك بن مروان وابنه الوليد، والشاعر المسيحي الأخطل، مادح خلفاء بني أمية، وزوجة معاوية، وطبيب معاوية، وعامل معاوية على حمص، و... معاوية، حتى أنت يا بروتوس !! ويحدثنا الأستاذ جورج عن تاريخنا الطويل مع التعايش والمواطنة: "و كان صوت الشاعر العربي الأخطل، وهو نصراني، يصدح بحرية في قصور الخلفاء الأمويين"، يصدح ! بكل حرية !! وفي قصور الخلفاء !!! طالما وجدت المواطنة والتعايش دائما في قصور الخلفاء !! والحرية أيضا !!! ويضيف الأستاذ صبرة "و من يعرف أن كلمة الخليفة الأموي المقيم في دمشق كانت هي القانون في طول هذا الملك الواسع وعرضه يعرف أهمية هذه الروح السمحة التي أفسحت المجال لحياة مشتركة تنتج حضارة".. سماحة وحضارة وطول وعرض وكلمة واحدة وقانون واحد وملك واحد، الخ الخ الخ.... لكن رفيق جورج، أنت فقط تعيد ما سبقك إليه الأستاذ السيد من أن "المسيحيين والوثنيين واليهود والمسلمين كانوا يعملون في خدمة الحكومة" ( الإسلامية )، وليس عندنا أي شك، أن كل هؤلاء وأكثر قد عملوا بالفعل في خدمة الحكومة، وما زالوا وسيستمرون بإذن الله، حتى يقضي الناس أمرا كان مفعولا !! طيب، وماذا بعد.. ثم يستشهد أستاذنا بأبجر بن جابر الذي كان زعيم بكر في الكوفة، وعندما أسلمت بكر بقي هو مسيحيا "و لم ير أحد في ذلك غضاضة".. فعلا، ولا أي غضاضة.. وأخيرا "ألسنا نعبد إلها واحدا لا يتجزئ؟".. فعلا؟.. نعبد إلها واحدا لا يتجزئ؟ من تقصد بالضبط أستاذ جورج: المسلمين أم العرب أم السوريين أم الجهاديين أنفسهم، الذين يكفرون ويذبحون بعضهم بعضا ؟؟.... ويأتي دور الشيخ دندل جبر، عضو هيئة العلماء السوريين، فيلقي المزيد من الضوء على ذلك التعايش وتلك المواطنة: "النص يدل على جواز استشارة غير المسلم"، ولعل هذا الكلام يفترض أيضا إمكان استشارة المسلمين أنفسهم في أمورهم، والله ورسوله وأنتم أعلم... ويستشهد أستاذنا بالدكتور محمد سليم العوا بأن "الأحكام الخاصة بمعاملة اليهود الواردة في وثيقة المدينة تصلح معيارا للحكم على الآراء الفقهية المختلفة في هذا الخصوص"، لا بأس، أن نتمتع في بلادنا بنفس الحقوق التي تمتع بها اليهود في دولة المدينة لهو أمر حسن ورب الكعبة.. لكن لا تغرنكم كل تلك الحقوق وكل ذلك التسامح، فالنفي والحصار والموت وأكثر من ذلك في انتظار كل من ينكث بوعوده أو يرى الحاكم أنه قد نكث بوعوده.. الحاكم هو الذي يعطي، والحاكم أيضا هو الذي يأخذ.. ثم المزيد من المواطنة والتعايش: "أعطاهم أمانا لأنفسهم وأموالهم وكنائسهم وصلبانهم.. وأن لا تسكن كنائسهم ولا تهدم.. ولا شيء من أموالهم ولا يكرهون على دينهم ولا يضار أحد منهم"، كان هذا عهد أمير المؤمنين عمر لأهل القدس... كلما تحدث إخوتنا الإسلاميون يتملكني شعور أنهم يعيدون فتح بلادنا من جديد وأنهم ينظرون إلينا نظرة الفاتحين العرب للشعوب التي فتحوها، ولذلك يعتقدون أنهم يطمئنونا بكلامهم هذا عن السلوك الراقي الحضاري لأساتذتهم الفاتحين الأوائل عندما فتحوا بلادنا لأول مرة.. ثم: "كتاب خالد بن الوليد إلى أهل دمشق تأمينا على أنفسهم وأموالهم وكنائسهم"، وكتاب "حبيب بن مسلمة لأهل تفليس.. أمانا لهم ولأولادهم ولأهليهم وأموالهم...".. كلما فكرت بدستور مقترح لدولة الخلافة أو لدول الخلافة أو إمارات الخلافة، التي على منهج النبوة، وجدت نفسي أفكر فورا في الصيغة التالية: هذا عهد أمير المؤمنين أبو بكر البغدادي أو أبو محمد الجولاني أو الأستاذ رياض شقفة الخ الخ، رضي الله عن كل هؤلاء وأرضاهم، للشعب السوري، بكل طوائفه وأقلياته، أنكم آمنون على أنفسكم وأولادكم وأموالكم الخ الخ الخ.. فعلا بعد كل هذا التعايش والمواطنة لا يبقى أي كلام عن الأقليات ممكنا، أيها الإخوة والسادة: نحن الأقليات في بلادكم، وأنتم وحدكم الأكثرية... وأنا أيضا أكرر معك، أخي محمد السيد، ما ذكرته عن الشاعر الأمريكي رونالد ركويل الذي قال بعد أن أشهر إسلامه "لقد راعني حقا تلك السماحة التي يعامل بها الإسلام مخالفيه، سماحة في السلم وسماحة في الحرب"، حقا، لقد راعتنا جميعا سماحتكم يا سيدي، فها نحن آمنون على أنفسنا وأولادنا وأموالنا وأدياننا، في بلادنا، كما وعدتمونا، وكما فعل أجدادكم بأجدادنا... هذا كثير يا أخي، كثير جدا.. كم أشعر الآن بالطمأنينة، والأمان، والتعايش، والمواطنة، ومن يستطيع أن يقول غير ذلك: "من يستطيع أن يجرؤ على القول" بأن هذه ليست "هي روح الدين" ؟.. أخيرا، فقط للتوضيح وللتذكير: كل هذا ليس طائفية ولا إكراه، كل هذا الكلام تعايش ومواطنة وعدالة وحرية، ولكن أكثر الناس لا يفقهون... ولا حول ولا قوة إلا بالله.........

 

 

 

 
   
 

التعليقات : 0

 

   
 

.