3

:: موت الطائفية ::

   
 

التاريخ : 23/06/2016

الكاتب : مازن كم الماز   عدد القراءات : 379

 


 

 

في الصراعات والجدالات الطائفية يسود منطق واحد: اتّهام الآخر بالطائفية، هم "الطائفيون"، أما نحن، فإن "طائفتنا" ليست "طائفية".. في الواقع تعبّر الطائفية بالفعل عن تعدّدية ما، عن "تنوع" أو اختلاف ما، صحيح أنه اختلاف مرفوض، قلق ومقلق، لكنه اختلاف موجود، موضوعي.. يمكن أن نختلف حول تلك التفاوتات أو الاختلافات، البعض يراها عقيدية، تاريخية، البعض الآخر يراها اجتماعية، سياسية، وحتى طبقية، سيكولوجية، الخ.. ولأنها تعكس فروقا واختلافات موضوعية، هذا يفترض أن الطائفية تعني تجزئة الحقيقة بشكلها المطلق، النهائي، المغلق أمام النقد، أمام حتى حقّ المساءلة.. لكن الطائفية لا تعني تجزئة الحقيقة المطلقة بالفعل..

لأصح أن نقول أنها تعني وجود العقيدة أو الذات بشكلها المطلق الأحادي باستمرار تحت خطر التهديد، تحت خطر "الآخر"، تحت خطر السخرية والنقد والإنكار.. إذا أردنا أن نكون أكثر تحديدا في تعريفها، فإن الطائفية لا تعني الاعتراف بالاختلاف أو التعدد، ولا بتجزئة الحقيقة أو نسبيتها أو أية محاولة لنزع صفة الإطلاق والنهائية عنها.. إن الطائفية هي، في الواقع، النزوعُ نحو التخلّص من هذا الخطر الوجودي على العقيدة الواحدة، الأحادية، المطلقة..

طائفيا، شرطُ إثبات "الذات" هو نفي الآخر، قتله، إلغاؤه.. لا معنى للطائفة إذا لم تفترض أنها التجسُّد الوحيد لتلك الحقيقة الأحادية المطلقة المغلقة.. لا يوجد الآخر إلا كمهرطق، كافر، خارج عن الملّة، لأن "الذات" هي بالضرورة حاملة الإيمان الصحيح الوحيد.. أن تعترف الذات بغيرها يعني موتها، بالشكل الذي تعي فيه ذاتها.. إن أي اعتراف أيا يكن متواضعا أو محدودا، بأحقية ذات أخرى في الوجود أو بمشروعية عقيدة أخرى، هو فقط نفي للذات وعقيدتها... لا يمكن للطائفية أن تعني التعدّد حقّا، كما يزعم "الطائفيون التعدّديون" إلا إذا تغير هذا الوعي بالذات، إذا "مات".. لذلك: لن تموت الطائفية إلا إذا ماتت الطائفة نفسها، إذا ماتت كل الطوائف، معا وفي نفس الوقت... هذا يحيلنا إلى فكرة "موت" جديدة، تضاف لما أعلنه من قبل نيتشه وفوكو وفوكوياما وغيرهم.. لكن أطروحات "الموت" هذه لا تتمتع اليوم بشعبية كبيرة، رغم كل وجاهة حججها.. إن كل ما أعلن موته سابقا يبدو وكأنه ما يزال يطفح بالحياة، إنها "أفكار" تحاول أن تقاوم الفناء، تبحث عن "الأبد" في محاولتها تأبيد اللحظة الراهنة، إلى ما لا نهاية... كي تعيش، عليها أن تقتل التاريخ.. وإلا فإن التاريخ هو الذي سيقتلها.. يسميه البعض "تطورا" والبعض الآخر "انحطاطا"، لكنه يبدو حكما مبرما يشبه الحكم الصادر بحق كل الكائنات الحية.. هكذا يتلقفنا فوكوياما أخيرا، الجميع يحلم بإنهاء التاريخ، "بموته"، بتحنيطه.. يصر ماركس أن التاريخ لا يتكرر، إلا كنكتة في أفضل الأحوال، يبدو أن السؤال الأكثر إلحاحا هو: هل من الممكن بالفعل تحنيط التاريخ.. قد يبدو هذا السؤال غبيا في الغد، لكنه اليوم منطقي جدا، وعقلاني جدا، إن لم نقل أنه يمثل المدخل الضروري للعقلانية، في اللحظة الراهنة.

 

 

 
   
 

التعليقات : 0

 

   
 

.