3

:: جــراحــــة - قصة قصيرة ::

   
 

التاريخ : 27/05/2016

الكاتب : د. أحمد الخميسي   عدد القراءات : 863

 


 

 

وقف عند الرصيف الآخر مقابل العمارة يتطلع إلى شرفة الطابق الثالث. هنا يسكن شهاب الشاب الذي التقى به في المستشفى منذ خمس سنوات. ظهر ذات مساء بين حارسين يطوّقانه. وقف بينهما ببلوفر رمادي قديم وقميص وبنطلون  باهتين، بعظمتين بارزتين في جانبي وجهه، يرتجف وعيناه لا تستقرّان من القلق.  انحنى أحد الحارسين إلى حافة المكتب وبيده إشارة من إدارة السجن بالكشف واجراء اللازم. قرأها ثم رفع بصره إلى شهاب. أحسّ الفتى بوقع النظرة المتفحّصة فأدار رأسه إلى ناحية بكبرياء وشفتين مقلوبتين وهو يعتصر كفيه المعقودتين لأسفل. الثامنة مساء. جدران حجرة الأطباء بلونها الأخضر القاتم ترشح رطوبة. معاطف الأطباء المعلقة تبدو في ضوء المصباح الضعيف أطيافا هاربة. من الممرّات تتناهى أصوات المرضى. نهض واقفا. ارتكز بأطراف أصابعه على المكتب، وتقدم خارجا وهو ينصت لوقع خطوات الشاب خلفه وفي أعقابهما الحارسان يخبطان بلاط الطرقة بغلظة. دخل حجرة الكشف وحده مع شهاب. رفع الشاب جسمه إلى حافة السرير. خلع حذاءه من كل قدم بدفعة من طرف الأخرى. رقد وعرّى بطنه. مقلق أن ترى شابا في التاسعة عشرة معتقلا ولا يسعك أن تنجده. سأله عما يشكو منه. قال الشاب ممسكا بطرف الفانلة لأعلى" فتق". مد أنامله يتلمّس بطنه فجأر الشاب: "آه. آه. آه". دهش. قال له: "ليس بك شيء. سليم كالحصان". اعتدل شهاب بجذعه على السرير. قال بوجه مخطوف: "سليم؟ كيف؟". أكّد له: "ببساطة.. سليم. المصاب بفتق بالكاد يستطيع أن يتنفس، وأنت، بسم الله ما شاء الله، تزأر أشد من طرزان!". فتح شهاب عينيه على آخرهما منفعلا: "أنا حالتي خطرة. حالتي طارئة". أدرك دكتور طارق أن الولد تمارض ليخرجوه فيبقى أياما معدودة خارج الحبس. الآن وقد انكشفت حيلة الولد وأمسى مهدّدا بإعادته أخذ ينطق بكل ما يرد على عقله: "لن أرجع. قد أموت في الطريق وأنت المسؤول". تشبّث الفتى بالبقاء مجتهدا في الوقت ذاته ألا يخسر كبرياءه: "لن أرجع. أتفهم؟". بالطبع يفهم. الآن، عليه وحده أن يتخذ القرار لأنه بالمصادفة الطبيب المناوب في تلك الليلة الباردة. دنا بشفتيه من أذن الشاب. قال له بصوت خفيض: "لا أستطيع أن أستبقي أحدا هنا من دون أن تكون حالة طارئة. أتفهم؟ لابدّ من إجراء عملية. أي عملية ولو شكلية؟". التقط شهاب الخيط وهتف من دون تردد: "ماشي. عملية". قال دكتور طارق بنبرة ما بين التقرير والاقتراح: "أبسط شيء فتْق صغير تحت الصرّة". تقلقل شهاب على السرير: "ممتاز. أسبوع مثلا؟". قال له: "نعم. ستقضى أسبوعا معنا". ابتسم الاثنان لبعضهما البعض أخيرا.         

بعد ربع ساعة كانت حافة المشرط تلمع تحت كشاف الضوء ويد الدكتور طارق تهبط بها في بطن الشاب تجتز قطعة لحم وردية صغيرة مقابل أسبوع صغير من الحرية. بعد قليل خاط الجرح. خلع القفاز الطبي الأبيض. طهّر يديه بينما كانوا ينقلون الولد إلى حجرة منفردة في حراسة شاويش لم يفارق الكرسي عند بابها. اتجه إلى حجرة الأطباء. كانت إحدى الممرّضات قد أعدّت له كوب الشاي. كنّ يعرفنه بحكم العمل. دمِثٌ لطيف، لكنه في الوقت ذاته انفعاليٌّ، يتّقد وجهه وترتجف أطراف أصابعه في أي نقاش، كنَّ يُرجعن ذلك إلى مرض زوجته الدائم المستعصي، ويغفرن له فوراته لأنه يحمل دائما الملبّس في جيوبه لكل طفل يصادفه في المستشفى. جلس يدخّن سيجارة سارحا في ملامح شهاب الذي بدا وهو مخدَّرٌ مسترخياً غائباً في سعادة حلوة.

قضى شهاب سبعة أيام صرف معظم أوقاتها واقفا أمام شباك حجرته، ضاغطا بيده على بطنه، سارحا ببصره في حديقة المستشفى والشوارع خلفها. كان دكتور طارق يتردّد عليه كل صباح ليراجع التئام الجرح. ظهر اليوم الثامن أبصره دكتور طارق وهو يهبط على السلم بين الحارسين في طريقه للخروج. تبادلا نظرة خاطفة لم يكفها الوقت لتعبر عن شيء. انقضت خمس سنوات لم يسمع خلالها عن شهاب ولم يره. بقيت منه استمارة الدخول المسجل فيها اسمه وعنوانه. خلال تلك الأعوام كان شيء ما يبعث على الحيرة والقلق يروح ويجيء كلما تذكر الولد، شيء يظهر ويختفي موحيا بأن ثمّة حقيقة مبهمة وراءه، وعليه أن يستوضحها، فيسأل نفسه: "هل قمتُ بما ينبغي في تلك الليلة؟ أم كان علي القيام بشيء آخر؟ شيء مثل ماذا؟ مثل ماذا بالضبط؟". لم يستطع أن يقصي السؤال، ولا استطاع أن يجد جوابا أو يخمد الحيرة. طرأ له أكثر من مرة أن أحدا لن يقدم له إجابة سوى شهاب نفسه. خطر له أكثر من مرة أن يزوره. والآن بعد خمس سنوات تقوده قدماه أخيرا إلى حيث يسكن الشاب، ويقف متطلّعا إلى شرفة الطابق الثالث، مترددا، غير واثق إن كان لتلك الخطوة معنى. هبط ببصره إلى ما بين قدميه. سيصعد. نعم. قد يستغرب شهاب الزيارة بعد انقضاء وقت طويل، لكنه ما يعنيه أنه سيلمح ولو ومضا ما يحتاج إلى معرفته في استقبال الشاب له بترحاب أو على العكس بنظرة لوم صامت. سيصعد، ويجلسان، يتذكران ماجرى ويضحكان. وسوف يزول ذلك القلق.

 قطع الشارع الى رصيف العمارة مشتّتا من الجو الحار وضجيج الشارع. جرَّ جسمه النحيل إلى مدخل العمارة. ارتقى الدرج على مهل. في الطابق الثالث شاهد لافتة نحاسية باسم والد شهاب. لبث لحظة يفكر ثم ضغط على الجرس. بعد قليل انفتح الباب وبرز شهاب في بيجاما غير مكوية وبيده مفك كهرباء. تطلع إلى الطبيب بنظرة لم تتعرف إليه، وفجأة اشتعلت عيناه. ابتسم هاتفا:

-معقول؟! دكتور طارق السقا؟

- تذكرتني إذن؟

صاح: 

-طبعا يا دكتور! خطوة عزيزة. 

قاده شهاب إلى صالة بها كنبة وكرسيان وتلفزيون قديم. أزاح ستارة عن شباك عريض ليدخل النور ثم التفت إلى الطبيب. هو نفسه دكتور طارق برقبته الطويلة النحيلة وعينيه الساهمتين باستعطاف. لم يتبدّل تقريبا. قال مرحبا:

- شاي أو عصير بارد؟    

- شاي.

تناهى من الداخل صوت سيدة كبيرة تنادي: "يا شهاب".  

-دقيقة واحدة يا دكتور. ماما تنادي.

غاب وعاد مرتديا بنطلون وقميصا وقد رتّب شعره. من خلفه أقبلت شابة أصغر منه بضفيرة خلف ظهرها في ثوب مشجر. وضعت صينية عليها قدح شاي وزجاجة مياه وهي تتطلع إلى الطبيب بفضول مهذب.

قال دكتور طارق وهو يتناول القدح:

- كنت بالقرب من بيتك قلت أمر أطمئن على أخبارك.

- كثّر خيرك. أنا تمام. أنهيت كلية الهندسة العام الماضي لكن مازلت بلا عمل. أنت تدري الظروف.. حضرتك أخبارك كويسة؟

- لا جديد. شغل ليل نهار. مستشفى وعمليات.

قالها وهو يرفع حاجبيه بنظرة تذكير: عمليات بجد!

قهقه الاثنان. أضاف الطبيب:

- مازلت أبتسم في سري كلما تذكرت زعيقك بعلوِّ صوتك في المستشفى بدعوى أن عندك فتق!

ضحك شهاب:

-زملائي في الزنزانة قالوا لي لو عاوز تخرج شوية انتظر حتى تغلق مستشفى المعتقل أبوابها في السابعة مساء ثم اصرخ واعمل أنك مريض، سينقلونك مثل كل الحالات الطارئة إلى المدينة. سألتهم: "وهناك ماذا أقول؟". تطوّع أحدهم من دون  ذرة تفكير: "قل عندي فتق يؤلمني"!

ضحك الطبيب: كل ذلك الزئير من مريض المفروض أنه بالكاد يتنفس!

سأل شهاب: وحضرتك في القسم نفسه؟   

- نعم. رئيس القسم منذ عامين. 

كان دكتور طارق يجلس مبتسما لشهاب بمودة وقد أحنى ظهره طفيفا ناحيته مما شجعه على أن يقول له:

-والدتي ست كبيرة ومريضة قوي. ممكن آتي بها إليك تشوفها؟

-طبعا. طبعا. هاتها، وسنقوم بكل ما يلزم. 

أخرج بطاقة بها أرقام تلفوناته ناولها له. 

أوضح شهاب بشعور بالحرج:

-لاتؤاخذني فقد توفي والدي ومازلنا أنا وأختى نجري وراء أوراق تسوية المعاش.. لذلك.. فقط .. 

ربّت الدكتور على ركبة شهاب:

-ولا يهمك. كلها أشياء بسيطة. 

سرح شهاب ببصره. رشقه الطبيب بنظرة خاطفة. بدا له أكبر من صورته التي يتذكّره بها. ذهبت الحدّة من ملامحه. انحسرت نار الأرواح الشابّة. زهوٌّ رافقه في السجن يفارقه في الحرية.

قال الطبيب: 

-أنا سعيد أني شفتك وأنك بخير.

-أنا كمان. حضرتك شرفتنا.

تناهض دكتور طارق من جلسته على طرف الكرسي ثم استقر مكانه. أشعل سيجارة بعناية وتركيز وأنامله ترتجف. سأل بخفوت: 

-لكن قل لي ياشهاب .. صدقا.. أتعتقد أني قمت بما في وسعي حينذاك؟

استفسر شهاب:

-  كيف؟ ماذا تقصد؟

بدا وجه الطبيب مثل سماء تعتّم قبل الرعد:

- أقصد أكان يمكن.. أو كان ينبغي القيام بشيء آخر؟

-شيء مثل ماذا؟  

تمتم بصوت غائر في الحيرة:

-لا أدري.

فرد شهاب كفَّه كأنما يطرد الظنون بعيدا:

- أنت ساعدتني أن أقضي أسبوعا حرا. ماذا إذن؟ كثّر خيرك! 

توسّل إليه بعينيه الساهمتين:

- حقا؟ تعتقد ذلك.. حقا؟  

- طبعا يادكتور.

نظر إليه بحيرة وعدم يقين يقلب في ذهنه ما قاله له. سأل بعد صمت:

-وأنت؟ أنت.. أكنت تقبل بعملية أكبر إن كانت تهبك شهرا كاملا؟

نظر شهاب في خط مستقيم فوق رأس الطبيب. شرد يتعلق بفكرة تلمع على سطح ماء مظلم. قال ببطء:

-نعم.. نعم.. أظنني كنت أقبل. لا تتخيل سعادتي حين نقلتني السيارة تلك الليلة من المعتقل إلى الشوارع. كنت أتنفس وأنا أجول ببصري من داخل السيارة بين أنوار المحلات وظلال الأشجار وألوان ملابس الناس. نعم. أظن ذلك. 

تبادلا نظرة مثقلة بالتأمل. فجأة شملت دكتور طارق علامات نشاط مباغت فنهض وصافح الشاب:

-مرّ علي مع الوالدة. سنقوم باللازم. 

عند باب الشقة هزَّ الدكتور يد شهاب بين كفيه بحرارة. ثم نظر في عينيه لحظة بشك وعدم يقين. أولاه ظهره واتجه نحو دوران السلم. قبل أن يختفي غمغم لنفسه بشيء ثم لوّح بيده في يأس. 

أحمد الخميسي. كاتب مصري

 

 

 
   
 

التعليقات : 0

 

   
 

.