3

:: عن الصراع السنّي الشيعي مرة أخرى ::

   
 

التاريخ : 16/05/2016

الكاتب : مازن كم الماز   عدد القراءات : 335

 


 

 

 

لم يلتق أحفاد الأمويين مع أحفاد الحسين لأول مرة على الأرض السورية في نهاية 2011 مع عسكرة الثورة السورية وتسلل عناصر القاعدة وحزب الله إلى سوريا، بل بدأ الصراع السني - الشيعي المسلح المعاصر قبل ذلك بوقت طويل، في عام 1980 بالتحديد، عندما هاجم صدام إيران معتقدا أن جاره القوي قد أضعفته الثورة، الثورة التي بدأت شعبية وحولها الخميني إلى ثورة إسلامية ثم إلى "جمهورية" إسلامية.. لم يكن الطرف السني الذي بدأها هو القاعدة ولا المجاهدين كما يفترض، بل نظام علماني يكاد لا يختلف بشيء عن نظام الأسدين، الأب والابن، الذي تُشن ضده الموجة الثانية من الحروب الدينية المعاصرة، باسم الصراع السني - الشيعي، والذي أصبح يحسب على الطرف الشيعي في هذه الحرب الدينية المعاصرة.. صحيح أنه قد جرت حروب أهلية في بلادنا على أساس ديني ومذهبي أو طائفي في السابق، لكنها لم تكن بالضبط حربا سنية - شيعية، شهد لبنان ثلاثة حروب دينية أو أهلية في 1860 و1958 و1975 لكنها جرت تحت رايات أخرى، صحيح أنها جرت تحت رايات الآلهة والأنبياء والقديسين والصحابة والأئمة أيضا، لكن لم يتواجه يومها أحفاد الحسين مع أحفاد الأمويين، بل كانوا يقاتلون الصليبيين يومها جنبا إلى جنب.. مات في المواجهة الأولى بين أحفاد الأمويين وأحفاد الحسين التي استمرت 8 سنين عجاف: مليون عراقي وإيراني، أو مليون سني وشيعي.. لكن جيش صدام، "السني"، الذي ورثه اليوم المجاهدون من أحفاد خالد والقعقاع في داعش والنصرة وأحرار الشام كانت غالبية جنوده من الشيعة، الذين يشكل فقراؤهم غالبية سكان العراق.. رغم أن غالبية ضباطهم كانوا من السنة، تحديدا من الموصل والأنبار وطبعا من تكريت مسقط رأس الرئيس العراقي السابق.. في سوريا أيضا يقاتل كثير من الجنود السنة إلى جانب النظام "النصيري الكافر"، حيث يشكل فقراء السنة غالبية فقراء سوريا، بينما غالبية ضباط جيش الأسدين هم من العلويين.. ويشكل السنة أيضا جزءا كبيرا، ربما الأكبر، من "شهداء" الجيش الأسدي، كما كانت غالبية شهداء جيش صدام في قادسيته من الشيعة.. غريب أن يكون البعث طرفا رئيسا في الصراع السني الشيعي، سواء في حلقته الأولى في 1980 - 1988 أو في حلقته الثانية المستمرة منذ 2011.. هذه إهانة لكل جهادي في العالم، من حزب الله إلى حماس والجهاد الإسلامي والقاعدة بتلاوينها المختلفة، وطبعا داعش وبوكو حرام.. لا يمكن بالضبط تحديد ما يؤمن به بشار الأسد، طبعا عدا عن حقه في أن يحكم سوريا وأن يرمي البراميل على شعبها عقابا على كلمة لا، فعلاقة هذا الشاب بالبعث ملتبسة، وهي تختلف طبعا عن علاقة والده ومنافسه صدام بالبعث، "العلماني".. لكن علمانية البعث لم تقف عائقا أمام مشاركته الفعالة بل الرئيسة في هذه الحروب الدينية.. هكذا انتهت كتائب فدائيي صدام إلى داعش اليوم، ولا ندري ما قد يكون مصير البعث السوري غدا.. بالعودة إلى الحرب الإيرانية العراقية، إذا حكمنا على الصراع السني الشيعي الحالي من نتائج حلقته الأولى فإن هذا يعني أنه علينا أن نستعد للأسوأ، لا تحمل تلك الحرب أية بشائر لأي كان، ليس فقط لشعوب وطوائف المنطقة وفقرائها وكادحيها، بل ولا أيضا لزعمائها، ولا لشيوخ طوائفها.. ليس فقط المليون "شهيد"، ولا مئات المليارات التي صرفت لتدمير كل شيء وقتل الناس بالجملة (وهذه كلها مسائل ثانوية بالطبع عند شيوخ الطوائف وزعمائها، لكنها تعني بكل بساطة حكما بالبؤس وبالأشغال الشاقة وبالموت العاجل أو المؤجل على الأجيال الحالية والقادمة من الفقراء من كل الطوائف).. انتهت الحرب الإيرانية العراقية بالعودة إلى حدود ما قبل هجوم قوات صدام على إيران، رغم الاستنجاد بالصحابة والأئمة، ورغم استخدام الهجمات الانتحارية والأسلحة الكيماوية على نطاق واسع، رغم شراء كل ما أمكن من أدوات القتل والموت، انتهت الحرب بالتعادل، تعادل مرير بطعم الخسارة، لكن مع كل ذلك لم تكن تلك هي الخاتمة.. فصدام المثقل بأزمات الحرب وبجنون العظمة والبارانويا في نفس الوقت سيقرر غزو أقرب حلفائه في حربه المقدسة وسيجبر جيرانه الأثرياء باعة النفط على دفع المليارات لبوش والاستنجاد بأي مرتزق على هذه الأرض، بمن فيهم جيش الأسد نفسه، ليدافعوا عن أنفسهم وشعوبهم، أو عن كراسيهم.. وبوجود داعش والقاعدة، يصبح من الصعب القول أن مستقبل الأمراء الجدد في الخليج مضمون بكل تأكيد.. عدا عن كل ذلك، تفترض كلمة صراع سني شيعي، وحروب دينية، تفترض أن هذا الصراع هو صراع ديني، أي يتعلق بالجنة كما يفترض، لا بالدنيا الفانية اللعينة.. إذا كان هذا صحيحا، إذا كانوا بالفعل يختلفون على الجنة ويريدونها، فإن أحدا لن يقف بوجه العريفي أو المحيسني ولا البغدادي أو الجولاني أو نصر الله، ولا بوجه سادتهم في قم أو الرياض أو أنقرة، وبين حورياتهم وقصورهم في الجنة، إن كانوا صادقين، ولأنهم لن يحتاجوا كل هذه المليارات والسيارات والقصور في جناتهم ولا حتى في عالم البرزخ، يمكنهم ترك النفط وكل تلك القصور والسيارات الفارهة والمليارات لفقراء طوائفهم وأن يقاتلوا بعضهم البعض ويستشهدوا في سبيل جنتهم وحورياتهم وآلهتهم.. إن كانوا صادقين.. كلمة أخيرة عن حرب الفقراء اليوم باسم عائشة وزينب، عن تجرّع الخميني السم عندما وافق على إيقاف المجزرة ضد جاره "السني" "الأموي"، لم يقبل الخميني بتجرع السمّ لأن قادة جيشه تمكنوا أخيرا من إقناعه باستحالة الانتصار على خصمه، رغم أنه قد بقي يومها عند الجيش الإيراني مائتي دبابة فقط، بل عندما أدرك أنه لم يعد هناك أي متطوعين جدد لهجمات الباسيج الانتحارية الذين سبق أن سار كثير منهم على حقول الألغام بأجسادهم، لم تكن الحرب تقتل الإيرانيين العاديين فقط، بل كانت تقضم القاعدة الفعلية للنظام التي تآكلت كثيرا بفعل الموت والخراب العامين.. مع ذلك، هناك ما هو أسوأ بكثير من أن تستمر هذه الحرب، وهو أن تنتهي مرة أخرى بتعادل، تعادل مرير، للفقراء من كل الطوائف.. إذا كانت القضية تتعلق بمن هم على حق: الصحابة أم الأئمة، وأيهما كانت أطهر: عائشة أم زينب، فلننه هذه القضية هنا والآن، كفى 1400 عاما من القتل والموت باسم طهارة عائشة وزينب دون أن نعرف حلَّ هذا السؤال.             

 

 

 
   
 

التعليقات : 0

 

   
 

.