3

:: تفاصيل الموت والحياة ::

   
 

التاريخ : 13/05/2016

الكاتب : د. أحمد الخميسي   عدد القراءات : 677

 


 

 

عام 1958 قام العراق بثورة على النظام الملكي، وابتهج بها جمال عبد الناصر فطلب من المسئولين عن الإذاعة مخاطبة أم كلثوم لتشدو بأغنية تهنئة لشعب العراق، وكتب الشاعر محمود حسن إسماعيل قصيدة "بغداد ياقلعة الأسود"، وذهب بها المسئولون لأم كلثوم فأصرّت أن يلحّنها رياض السنباطي وكان وقتها على خلاف معها، لهذا أضافت "لكن لا تبلغوه أنني أنا من سيغني الأغنية". بالفعل لحن السنباطي القصيدة على أنها لمطربة عربية وحينما استلم مدير الإذاعة اللحن صارحه بأنه لأم كلثوم فقال له السنباطي: "طيب خذ ورقك واتكل على الله". وأصبح المشروع مهدّدا بالتوقّف، فخاطب المسئول مكتب عبد الناصر، وفي اليوم التالي فوجئ السنباطي بهاتف وعلى الطرف الآخر جمال عبد الناصر يرجوه أن يسمح لأم كلثوم بغناء اللحن. لم يعترض السنباطي لكنه رجا عبد الناصر" حاضر ياريس، بس ما تخليهاش لاتسلم علي ولا تكلمني"!

ما يهمني هنا إدراك عبد الناصر لأهمية حشد كل التفاصيل في سبيل مشروعه، هكذا كان محمد علي باني نهضة مصر يكتب خطابات للمبعوثين في الخارج ويسألهم بدقة عن مقدار ما حققوه من نجاح في كل مادة يدرسونها. التفاصيل تقوم بالدور الحاسم في تاريخ الزعماء والبسطاء.

 

في الفيلم الجميل "طريق كارليتو" (1993) بطولة آل باتشينو، إخراج بريان دي بالما، نرى رجل عصابات يخرج من السجن بعد خمس سنوات، معتزما أن يبدأ حياة جديدة بعيدا عن الجريمة، لكنه يتورّط بالمصادفة في شؤون العصابات فيصبح هدفا وطريدة، ومع ذلك فإنه ينجو من كل مصائد الموت حتى لا يعود يفصل بينه وبين النجاة سوى خطوة واحدة أمام سلم القطار، يرتقيه وينطلق إلى حياته الجديدة التي أرادها، لكن التفاصيل التي بدت له عديمة القيمة تبرز في هذه اللحظة وتقتله! لقد قام بكل شيء على الوجه الأكمل، ونجا من القوى الكبرى لكنه لم ينتبه إلى التفاصيل الصغيرة جدا. فقد حدث أن آل باتشينو تشاجر قبل ذلك بشكل عابر مع مجرم شاب فأهان الشاب وحقّره وطرده من الكباريه، وفي اللحظة الأخيرة عند سلم القطار يفاجأ آل باتشينو بذلك المجرم وهو يذكّره بنفسه مبتسما قبل أن يسدّد إليه طعنة الموت. لقد خطّط لكل شيء ونجح في كل شيء، لكنه لم يتصور أن تفاصيل إهانة عابرة هي التي ستحدّد مصيره. ليس رجال العصابات الأقوياء، ولا وابل الرصاص، ولا التفجيرات، لكن قتلته التفاصيل الصغيرة التي لا ننتبه إليها. الفيلم مأخوذ عن قصة "بعد ساعات" للكاتب "إدوين توريس"، عمل سينمائي رائع، كان يمكن أن يسقط في نطاق أفلام العصابات الاعتيادية لولا عبقرية التوقّف عند فكرة الموت بالتفاصيل. ولا أظن أن هناك زعيما بارزا في التاريخ السياسي أهمل التفاصيل، لأنه كما يقول المثل الانجليزي "في التفاصيل يكمن الشيطان" أي لبّ الموضوع. وقد التقيت بمناضلين عظماء كانوا لايقرؤون من الوضع السياسي سوى خطوطه العامة الصحيحة، وبآخرين كانوا لا يشاهدون إلا التفاصيل، أما الذين نجحوا في ترك بصمة فهم من جمع التفاصيل الصغيرة إلى الخطوط العامة في وجه واحد كل ارتجافة فيه بأهمية كل ملمح. وليس عبثا في الأدب والفن أن يقال: "الفن هو التفاصيل"، وليس عبثا أن يقول الكاتب الروسي تشيخوف: "إذا لم تلمس التقدم في التفاصيل الصغيرة فلا جدوى من البحث عنه في الأشياء الكبيرة".

إنها التفاصيل التي نهملها ثم نفاجأ بها قبل خطوة واحدة من حياة جديدة.    

د. أحمد الخميسي. كاتب مصري 

 

 

 

 
   
 

التعليقات : 0

 

   
 

.