3

:: تيران وصنافير.. وحرية التعبير ::

   
 

التاريخ : 08/05/2016

الكاتب : د. أحمد الخميسي   عدد القراءات : 633

 


 

 

 

يتصور البعض أن أزمة نقابة الصحفيين المصريين التي نشبت في مايو الحالي بسبب اقتحام الشرطة النقابة قد شغلت الناس عن موضوع التنازل عن الجزيرتين المصريتين "تيران" و"صنافير" للسعودية، وأن أزمة الصراع بين النقابة ووزارة الداخلية أزمة مفتعلة مقصود بها إلهاء الناس عن موضوع التفريط في وحدة التراب الوطني المصري، وهو تصور غير صحيح. فقد تفجرت الأزمة بعوامل داخلية بصفتها إحدى ذروات انتهاك الحريات العامة تحت شعار تطبيق القانون. أين كان القانون حينما جاء إلى مصر إبن الصحفي المعروف هيكل لحضور جنازة والده، ثم سافر بعدها من دون المساس به، علما بأن اسمه على قوائم ترقب وصول في المطار، ومطلوب في قضية التلاعب بالبورصة مع نجلي مبارك وتحقيق كسب غير مشروع في حدود ثلاثة مليارات؟ وأين كان "تطبيق القانون" عندما سافر أحمد موسى على طائرة الرئيس وعليه حكم من القضاء؟! وأين كان "تطبيق القانون" عندما كان مرتضى منصور مطلوبا واحتمى بشقة لم تجرؤ الداخلية على اقتحامها؟!. هناك مسار طويل من انتهاك الحريات والكيل بمكيالين عند الحديث عن القانون، إذ يتضح فجأة أن لدينا أكثر من قانون، أحدها يتم تطبيقه على عامل قطارات اختلس ثلاثة جنيهات فيتم سجنه، والآخر يتم تطبيقه على أحمد نظيف رئيس وزراء مبارك وبقية لصوص عهده فإذا بهم جميعا مطلقي السراح أحرارا.

تفجّرت قضية نقابة الصحفيين على هذه الخلفية، وليس بصفتها لعبة من النظام لإلهاء الناس عن موضوع الجزيرتين اللتين تم بيعهما في غمضة عين للملكة السعودية. تفجّرت بحكم عوامل داخلية في مقدّمتها الغضب الشديد من ملاحقة الصحفيين وحرية التعبير والتظاهر، وهي الملاحقة التي بدأت بقتل شيماء الصباغ من دون أن يلقى القاتل عقابا حتى الآن. وفي كل الأحوال فإن معركة النقابة ليست إلهاء وشغلا للناس عن موضوع الجزيرتين، وعلى العكس، فإن كل معركة صغيرة من أجل الحريات العامة تشقّ دربا صغيرة إلى استعادة الجزيرتين، كما تشقّ الجداول طريقها إلى البحر الكبير. بهذا الصّدد كانت للروائي الانجليزي ديكنز عبارةٌ جميلة يقول فيها: "للأبواب الكبيرة مفاتيح صغيرة"، وكل معركة من أجل الحريات العامة تخوضها نقابة الصحفيين، أو الأطباء، أو موظفو الضرائب، أو العمال، هي مفتاح من مفاتيح الباب الكبير. وموقف النقابة الحازم ردا على انتهاك حرمتها وحرمة حرية التعبير، هو أيضا مفتاح من مفاتيح باب الجزيرتين. إن قدرتنا على استعادة الجزيرتين، وطرح القضية الوطنية، تتأكد وتلوح بقرب توسيع دوائر الحرية وفي مقدمتها حرية التعبير. وما يجري ليس إلهاءً عن قضية الجزيرتين، بل طريقا نحو الجزيرتين.  

د. أحمد الخميسي. كاتب مصري

 

 

 

 
   
 

التعليقات : 0

 

   
 

.