3

:: أَربعون عامًا على غياب أَمين نخلة - مركز التراث اللبناني في الجامعة اللبنانية الأَميركية ::

   
 

التاريخ : 04/05/2016

الكاتب : جماليا - بيروت   عدد القراءات : 1346

 


 

 

في الذكرى السنوية الأَربعين (1973-2016) لغياب الشاعر والأَديب اللبناني أَمين نخلة، أَقام "مركز التراث اللبناني" في الجامعة اللبنانية الأَميركية – بيروت، مساء الثلثاء 3 أيار الجاري، لقاءً بعنوان "أَمين نخلة صائغ الصناعتين"، تحدّث فيه مدير المركز الشاعر هنري زغيب، الكاتب سمير عطالله، والدكتور ميشال جحا، وتخللته مقاطع بصوت أَمين نخلة يُلقي خمس قصائد من "دفتر الغزَل"، ومقطعٌ مصوّر من قصيدته في مبايعة الأَخطل الصغير، وشهادات صوتية ومصورة في الأَمين من أَنطون قازان (تقديمه في الجامعة الأَميركية سنة 1960)، ومن وجدي ملاط وسعيد عقل (سنة 1986 في الذكرى العشرين على غيابه)، ومن أَحمد عبدالمعطي حجازي (سنة 1996 من مهرجان أَمين نخلة في الذكرى العشرين على غيابه)، وجميعها من محفوظات المحامي سعيد أَمين نخلة عن والده الشاعر.

 

 

"جماليا" تنشر كلمات اللقاء مشاركة منها في إِحياء ذكرى هذا الشاعر اللبناني الكبير.

*

كلمة هنري زغيب في افـــتـــتــاح اللقاء

 

ليس من عادتي أَن أَفتتح هذه الندوات بكلمةٍ مكتوبة، بل أُلقيها كلماتِ ترحيبٍ عفويةً تسوقُها المناسبة. سوى أَنني الليلة أَتَـهـيَّب: نحن في حضرة الأَمين.

في جُونة العطَّار لا يَليق ارتجالُ الشَـمّ، وفي مـحترف الصائغ لا يَـجوز التسرُّع في المرور بين شَــعّ الـحِليّ.

مِن النحّاتين مَن يُعمِلون أَزاميلهم في الصخر الصلد، ومنهم في المرمر الشفيف، فالشهقةُ خفيضةٌ حتى الصلاة في رخام الكلمات.

وبين جمال المنحوتة، شِعرًا أَو نثرًا، وجماليا شروقِها في الذَّوق، يقف أَمين نخلة وازعًا دون امتهان الزهر، فالوردُ في بستان الحلا ليُشَمَّ منه الأَرَجُ حتى آخرِ نُقطةٍ في العبَق، وحذار دَوس الوردة باستسهال السَّفر اللذيذ بين بتلاتها.

لأَربعين خالياتٍ، غادرَنا على إِرث الأَمانة، وها نحن ميراثَـه حارسون.

يغيب الأَديب فتُشرق آثارُهُ في الوفاء. يبقى على الرسُل الأُمناء أَن يجعلوا غيابَ الأَديب سُطوعًا دائمًا في البال.

بين الكتابة على "دفتر الغَــزَل"، والقراءة في "المفكِّرة الريفية" مسافةُ ما بين شكل الكلمة ومَذاقها، وشتَّان بين ما تذُوقه العَينان وما به تتحلّى الشفتان.

مع أَمين نخلة، شِعرِه والنثر، نحن في مهرجان اللَون الـمسحور والدَّهشة الـمُباغِـتـة.

لنا معه دائمًا موعدٌ في ظلّ هُدبٍ خفيضٍ خفَرًا، أَو في رِفْقة عباراتٍ تَـخيَّـرَها الأَمين بين شقيقاتٍ لها أَقلَّ إِدهاشًا.

حسْـبُـنا الليلةَ أَن نفيءَ إِليه، قامةً أَدبيةً من لبنان مدَّت جناحيها على كل هناك فجذَبَــتْـه إِلى سِحر ما عندنا من روائِعَ ومبدعين، حتى بات يُشتاقُ إِلى ما عندنا في رغبة التسامي والتشبُّه، فيمسي لبنان مرنى أَهل الأَدب ووُجهةَ أَحلامهم.

حسْـبُـنا أَن نقف الليلة في حضْرة الشعر، يَـحمله إِلينا كبيرٌ من عندنا نستحضرُه من بعيدِه، نعيشُ معه لحظاتِ هناءةٍ وادعةً، حتى إِذا غادرَنا من جديدٍ إِلى بعيدِه العَميق، ترك لنا زادًا من أَدبٍ نعيشُ على رغيفه مغتبطين أَن مَــرَّ بنا، في أُمسيةِ التذكار، طــيْــفٌ طَــيِّبُ العَرف من حنايا أَمين نخلة.

*

سمير عطالله: "فؤاد أَفندي" سيِّدُ "الـمفكِّرات"

 

"فؤاد أَفندي" صاحبُ "المفكِّرة"، عاشقُ نسائم الريف وطيفِ الغسَق خلف دروب القُرى، إِنما هو في الحقيقةِ "بَيكٌ" متواضعٌ من المدينة، طالما شُوهِدَ على تلالها يَرُدُّ طربوشه قليلًا إِلى الخلْف علامَة الهوى، ويُــنْشد تحت نافذتها:

        "في الأَشرفيَّةِ يومَ جـئْتِ وجـئْـتُـها      نفْسي على شفَتَيْــكِ قد جمـَّــعتُها".

وإِنما "البَـيك"، في الحقيقة التالية، متواضعٌ متسَـتِّـر، فما هو إِلّا الأَمير الذي خَـلَّـفَه شوقي على الشِعر بعدَه، هاتفًا من ضفاف النيل وشَمِّ النسيم:

"هــــذا ولـــيٌّ لعهـــــدي         وقَــيِّــمُ الشِعر بَعدي"

وإِذا الإِمارةُ حدَثت للديار المصرية بِرُمّتها مرَّةً واحدة، فهي اتفَقَت للديرة اللبنانية مرَّتين: أُولى للأَمين بالتكليف الإِرثي، والأُخرى للأَخطل الذي تَواضَع هو أَيضاً تحت لحاف "الصغير".

الفارقُ بين الوريثين أَنّ الأَمين تواضَعَ عن الحقيقة الكبرى: أَنه ملِكُ العبارة شِعرًا ونَــثرًا، وما احترنا في تصنيفه بَين بَين. فقد كانت لـ"فؤاد أَفندي" خَصْلة لذيذة: أَن ينتقمَ من إِغواء العشق بأَن يتمادى في إِغواء اللغة. وإِذا ما عذَّبَه الهوى نافحَه بِـمُلاعبة القوافي، أَو طاف ناثرًا في الفيافي يذرو السَّبْك والحبْكَ ومفاتيحَ الموسيقى، وما بين ديوانٍ ومفكِّرة، يقف مـحاضِـرًا عن اللغة في مَـجامعِها الصعبة، متواضعًا خلْف لقَب القاموس، وما هو إِلّا محيطٌ من المحيط إِلى المحيط.

يا ذا الأَمينُ الـمُخبِّئُ في منديل الجيب وزَناتِ الخيل ونثراتِ ابن عربي، يا ذا الساحـرُ الـمُـقِـلّ، ما كان أَعزَّ قليلَك في سُوق الـجُـمان. ولن ننسى، يا "فؤاد أَفندي"، الظَّرْفَ وخفَّة الظِل وخفايا الـمُفاكهة. فلَم تَترُكْ سياقًا في سياقات اللغة إِلّا اتَّسَـقْــتَـه، ولم تتركِ امتحانًا إِلّا أَتقنْـتَـه، كأَنّك أَردتَ أَن تُـنَــقِّـلَ تاجَك وطربوشَك ومحبرتك على جميع العهود والفصول.

وما كنتَ يا "فؤَاد أَفندي" إِلّا عَـلَّامةً من دون عمامة. ولو قُـدّر لكَ لَتَرَبَّـعْت بين المساند إِلى جانب العلايلي ومحمد عبده وسائر الشيوخ الأُلى. لكنكَ اكتفيتَ من شغَف اللغة بما اكتفى به الحرّاسُ من قَـبْـل، مسيحـيُّـو العربية ورهبانُ العروبة: الـمَناذرة والبساتنة والغساسنة، ونَـخْـلَـتـا الدير: الرَّشيد والأَمين.

*

ميشال جحا: عشرون عامًا في رفـقـة أمين نخلة

 

قرأت اسم أمين نخلة للمرة الأُولى في مجلة "الأديب" (عدد حزيران 1942) لـمختاراتٍ من "المفكرة الريفية" الصادرة عامئذٍ، فأثَّـرت بي ورُحت أقلّد ما فيها فكتبتُ "الديك" و"الإبريق" و"الزنزلخت" ونصوصًا أخرى لم أعُد أذكرها.

سنة 1954، وكنتُ في الجامعة الأميركية أتخصَّص في الأدب العربي، طَلب أُستاذنا جبرائيل جبّور أن يختار كلٌّ منا شاعرين أو أديبين لبنانيين يلتقيهما ويجمْع معلومات عن كل منهما، فاخترتُ أمين نخلة وسعيد عقل.

زرت الأمين في مكتبه للمحاماة (شارع بشارة الخوري)، فرحَّب بي ووعد أن يمدَّني لاحقًا بمعلومات طلبتُها لكنه لم يفعل. يومها أهداني نسخة من ديوانه الأول "دفتر الغزل" وعلى غلافه: "الطبعة الأولى سنة 1952" وعلى الصفحة 8 عجُز بيت ابن الفارض "أبدًا حديثي ليس بالمنسوخ إلا في الدفاتر"، مع أن البيت للبهاء زهير من قصيدة مطلعها "غيري على السلوان قادرْ... وسواي للعشاق قاهرْ". وروى لي الأمين أنه أمسك عن نشر الديوان حتى تستقيم له كلمة كان يَنشُدُها لبيت من قصيدة "أنا وأنت" هو:

        وإذا  حــلَّ  مــكـــانًـــا   نــــــــــائــيًــا             دلني الشوقُ وقادتني الدروبُ

لم يكن راضيًا عن كلمة "نائيًا" تُفيد البُعد، حتى جاءته كلمة "خافيًا" تُفيد الستر، وهي أفصح تعبيرًا عن جو الحب الحميم والاختلاء بالحبيب. ساورني الشكُّ وفكرت أن هذه من مبالغات الشعراء، حتى عثرتُ في مجلة "الأديب" (ص 58 من عدد آذار 1953) على هذه العبارة: "أخيرًا دفع الأستاذ أمين نخلة مجموعة شعره إلى المطبعة، وما هي إلا أيام حتى يظهر "دفتر الغزل" حاويًا باقةً ممتازة من شعر الأستاذ نخلة". استوقفني أن أرى على غلاف الكتاب سنة 1952 ومجلة الأديب تبشّر بقرب صدوره سنة 1953.

مثلٌ آخر على تدقيقه وسعيه إلى اختيار اللفظة التي تروق له وتقع في موقعها. في رسالة له من الدوحة (وكان في ضيافة أميرها) إلى ياسين رفاعية في 27 تشرين الأول 1960، جاء: "قل لـمدحت (الشاعر مدحت عكاش) أن يجعل كلمة "رَوْح" مكان "أُنْس" في قصيدة "حامد"، فيصبح البيت: "ولِلّه كم في السِين رَوْحٌ لـمقلةٍ    لها من تعاريج، هناك، وسائدُ"، وإياك أن تنسى هذا الإصلاح فهو يهمني جِدًّا - وجِدًّا كثيرًا وكثيرًا جِدًّا - كما في أسلوب صديقنا طه (طه حسين)".

هكذا كتب الأمين من الدوحة مشدِّدًا على استبدال كلمة "أُنس" بكلمة "رَوح" تفيد الراحة والفرح والسرور ومعنى الرحمة والرزق كما في السورة 56 "الواقعة" - الآية 89: "فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيم"، والمقصود هنا المعنى الأول (الراحة) أي أن في السين راحةً للعين، وهو يقصد بأن الخطاط التركي الشهير حامد حين يخط أسنان حرف السين ترتاح إليه العين.

وقرأتُ في "دفتر الغزل" تصديرًا من ثمانية أبيات لأحمد شوقي سنة 1925 مطلعها "هذا ولـيٌّ لعهدي... وقَــيِّم الشعر بعدي". وحين قلتُ للأمين يومًا إن تلك الأبيات ليست في "الشوقيات" أجابني: "ليس كل ما نظمه شوقي منشورًا في "الشوقيات". وبالفعل، في إهدائه إليّ  نسخة من "كتاب الملوك" في 2 تشرين الثاني 1954 كتب: "إلى ميشال جحا الذي أرى في قلمه فسحاتِ من قلمي"، ولم أكن نشرتُ عامئذٍ سوى ثلاثة تحقيقاتٍ في "الجمهور" لـميشال أبو شهلا. وهكذا خلع أحمد شوقي إمارة الشعر على أمين نخلة الذي كان في الرابعة والعشرين، ويوم كتب لي الأمين إهداءه كنتُ في الرابعة والعشرين. أقول هذا من باب التيمُّن.

وعلى أي حال ليس الأمين في حاجة إلى من يُسبغ عليه إمارة الشعر فهو أمير بالوراثة، ابن رشيد نخلة أمير الزجل في لبنان، وهو لن يخيّب قطّ أمير الشعراء شوقي.

***

بين ما أذكره أيضًا عن الأمين: كان يحلو له الجلوس في مطعم فيصل قبالة بوابة الجامعة الأميركية، مختارًا طاولة يخدم عليها شاب يدعى أمين لأنه سميّه. وغالبًا ما كان يتحلّق حوله أدباء وشعراء وصحافيون وسياسيون. ويوم أصدر توفيق صايغ مجموعة شعرية على كل صفحة منها بضع كلمات، أطلق الأمين على هذا النوع من الكتابة "شعر الــ ثـمَّ ماذا"، أي أنك تقرأُه ولا تفهم منه شيئًا.

سنة 1955، نلتُ شهادة البكالوريوس في الأدب العربي. التقيتُ الأمين في مطعم فيصل فبادرني: "حدثتُ عنك سليم اللوزي صاحب "الحوادث" فاذهب وقابلْه". قصدت مكتب "الحوادث" في القنطاري ودخلت على سليم اللوزي وكان يتحدث هاتفيًّا بصوت مرتفع شاتمًا غاضبًا، حتى إذا انتهى وتقدمت منه معرِّفًا أجابني: "حدثني عنك أمين بك، وأنا أرحّب بك في "الحوادث". بلّغْه سلامي". وحين سألني الأمين بعد أيام عن نتيجة لقائي باللوزي أجبتُه إني فوجئت به شتّامًا غاضبًا فآثرت الابتعاد عن هذا الجو الصحافي.

سنة 1966 احتُفلَ في الباروك بتدشين ضريح رشيد نخلة بحضور رئيس الجمهورية شارل حلو ورئيسي مجلس النواب والوزراء صبري حمادة وعبدالله اليافي، وكتب الأمين مقالًا بتوقيعي عن والده صدر على الصفحة الأولى في "النهار".

وفي 15 نيسان 1973 تنادى كبار الشعراء إلى مهرجان تكريم أمين نخلة فطلب مني أن أكتب لابنه سعيد كلمةَ شكر يلقيها في ختام المهرجان. فوجئتُ وبادرتُه: "أَيُفتى ومالكٌ في المدينة"؟ فأجابني: "أنت سعيد الآخر. تكتب الكلمة وسعيد يلقيها". غير أن سعيد لم يلقِ الكلمة لأن المهرجان ألغي بسبب اغتيال كوموندوس إسرائيلي الشاعر كمال ناصر ممثل فلسطين بين شعراء المهرجان (روى لي الشاعر محمد الفيتوري لاحقًا أنه كان مجتمعًا مع زعماء فلسطينيين في مقهى "دولتشي فيتا" مساء 10 نيسان 1973 فقال أبو أياد لكمال ناصر أن ينام تلك الليلة عنده. أجاب كمال أنه يفضل الذهاب إلى شقته ليكمل قصيدته في مهرجان أمين نخلة باسم فلسطين بعد خمسة أيام. ولو انه ذهب مع أبو أياد لكان نجا من الموت).

أمين نخلة صاحب ميسم خاص في الكتابة تَنَخُّلًا وذوقا عاليًا وبحثًا عن لفظة أو نبشَ معنى أو طرفة أو ملحة أو نكتة أو قول مستحسن مستساغ. وهو في الأدب فريدٌ "يأبى أن يضني مطية سواه أو يتحلى بحلي مستعار" (ابن حزم - "طوق الحمامة"). فالأمين قلّده كثيرون ولم يُجارِهِ أحد. شعرُه شعرُ الصحو  والشعاب العالية والأنسام الندية، شعر الضوء واللون، وعبق الطبيعة اللبنانية استوحاها من أرز الباروك إلى الرب.

***

هذا الكتاب اليوم، يصدر في مرور أربعين سنة على غياب الأمين. وهو من ثلاثة أقسام: مقالات كتبها ولم يُصدرها في أي من كتبه، مقابلات معه تضيء على شخصيته وأدبه، ومقالات وأبحاثٌ تناولت شعره وأدبه.

ذات يوم طلبتُ منه كتابة مقدمة لكتابي عن خليل مطران فوعد وما وفى، وأصدرت الكتاب سنة 1981 بدون تقديم. ثم كان لي سنة 1993 أن أقدم لكتابه "الأساتذة في النثر العربي" عن دار "مجد"، وسنة 2014 لمجموعته الكاملة عن "دار صادر"، وأخيرًا كتاب جديد عن "دار نلسن"، فأنال من الشرف أضعاف ما كنت أطمح إليه حين طلبتُ منه تقديم كتابي عن خليل مطران.

ويحضرني، ختامًا، مطلع قصيدته في رثاء رياض الصلح:

        ما على الحب إن مضى الأحبابُ           تَــســلــم  الـذّكـــريـــات  والأســبــــــــــــــــابُ

وآمل أن أكون وفيت لأمين نخلة مرافقتي إياه طيلة عشرين سنةً، وأن يفيه هذا الكتاب الجديد بعض حقه. ففي هذا الجو الموبوء الذي نعيشه، ما أجمل أن نتذكر أمين نخلة يعيد لنا مجد لبنان الأدَب.

*****

 

 

 

 

 
   
 

التعليقات : 0

 

   
 

.