3

:: عدمية وخراب الأدب الصهيوني ::

   
 

التاريخ : 22/04/2016

الكاتب : د. أحمد الخميسي   عدد القراءات : 515

 


 

 

 

أتوقّفُ هنا عند كتاب خرج للنور حديثا بعنوان "نبؤة خراب الصهيونية. العدمية في الأدب الصهيوني" للدكتور حاتم الجوهري الذي سبق أن قدم لنا "خرافة التقدمية في الأدب الإسرائيلي". الكتاب جزء من دراسة الداخل الإسرائيلي التي تهمّنا مادامت إسرائيل قاعدة عسكرية مدجّجة بالأسلحة حتى النووية، ومادامت تنفرد  بالوجود على أساس ديني، ومادامت لا تعلن عن حدودها الجغرافية إلا في إطار شعار فضفاض "من النيل إلى الفرات"، ومادامت مستمرة في احتلالها فلسطينَ وأجزاء من أراض عربية أخرى.

ولطالما شغلت القضية الفلسطينية الضمير المصري منذ النكبة حين قال بيرم التونسي: "وقالوا يا إسرائيل دبح العرب جايز.. حسب المزاج ادبحي أطفال وعجايز" مرورا بما كتبه على محمود طه "أخي جاوز الظالمون المدى" ثم فؤاد حداد "ولا في قلبي ولا عنيه إلا فلسطين" وصلاح جاهين "يامعين ياصوت الضحايا.. ارعد بصوتك معايا" وغيرهم. في ذلك كله كان الضمير المصري يلمح ليس فقط الغبن الذي حاق بالشعب الفلسطيني بل والمصير المشترك الذي تأكد على مدى سبع وثلاثين سنة منذ توقيع معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية حتى الآن، ففي خلال سنوات السلام تلك قامت إسرائيل بشن حروبها على العرب بمعدل مرة كل أربع سنوات، ثلاثِ حروبٍ لقمع الانتفاضات الفلسطينية، وحربين على لبنان، وشاركت في ضرب العراق، وشنَّت غارتين على السودان، وبلغت الوقاحة حد تهديد أحد وزرائها وهو" ليبرمان" بقصف السدّ العالي عام 1988! ولقد صدرت دراسات مصرية غير قليلة سعيا لفهم بنية هذا الكيان العدواني الداخلية لكن التعرف إلى الصهيونية عبر ما تدّعي أنه أدبها لم يكن موضوعا لدارسة مستقلة من قبل.

يقول د. الجوهري إننا في دراساتنا للصهيونية لم ننتبه إلى دور تيار"الصهيونية الماركسية" وزعيمه اليهودي الروسي المولد" بيرخوف" (1881-1917)، الذي قبل بالرّكائز الصهيونية عامة لكن مع إقامة دولة "اشتراكية" تجمع العرب والصهاينة. إلا أن هذا التيار سرعان ما وجد نفسه فعليا في خندق واحد مع الامبريالية وقد تلطّخت يداه بدماء العرب بعد المجازر التي استلزمها إقامة دولة الاحتلال، فانشقّ إلى رافد يعمل على تحسين المشروع من داخله بإصلاحات جزئية، ورافد آخر يائس تماما تحكمُه العدميةُ فقدَ الإيمان بمستقبل الدولة ولم يعد ينتظر سوى خراب الصهيونية ودولتها بعد انهيار مشروع "الدولة المشتركة". من هذا الإطار النظري العام ينفذ د. الجوهري إلى تجسد العدمية في الأدب ضاربا مثلا بأشهر كتّابها "دافيد أفيدان" بوصفه نموذجا للتوجُّه العدمي، مستشهدا بنصوصه، وأفكاره، وقصائده التي يقول في بعضها: "من أين جئنا؟ وإلى أين سنذهب بلا نهاية؟.. ولماذا خانتنا النهاية الطيبة إلى هذه الدرجة؟". الكتاب تجربة مهمة تستحقُّ التحية وإن كنت آخذ على د. الجوهري أنه لم يعالج بعض الأسئلة المهمة ومنها: هل يمكن للأدب أن يوجد خارج الأمة والقومية؟ المعروف أن نحو سبعين عاما هي كل عمر إسرائيل لا يمكن أن تبلور قومية ليكون لها أدب. كنت أتمنى أيضا لو قام د. الجوهري بفكّ الارتباط المتكرر بين الصهيونية والماركسية على الأقل بعرض وجهات نظر أعلام الماركسية الذين فضحوا ذلك التيار الصهيوني بصفته تيارا انتهازيا لا يمتُّ للماركسية بصلة.

وهناك على المستويين الأوروبي والعربي أعمال كثيرة في هذا المجال. أيضا فقد أعطى د. الجوهري للفكر الصهيوني المقنّع بالماركسية وزنا أكثر من حقيقته في إقامة الدولة الصهيونية، ذلك أن العامل الرئيس في إقامة تلك الدولة لم يكن "النظريات" والأفكار بل المصالح الاستعمارية المحدَّدة التي كانت ستقيم ذلك الكيان تحت أي دعوى فكرية.. أيا كانت. 

أخيرا يجدر القول أن ما يسميه د. الجوهري "الماركسية الصهيونية" قد وجد انتقادا عنيفا لدي مجموعات كبيرة من الماركسيين العرب، وكان البحث جديرا بعرض "الماركسية الصهيونية" أيضا من وجهة نظر الماركسية التي عرَّت ذلك التيار ووقفت ضده.

أخيراً تبقى التحية الواجبة لذلك الجهد الذي يندرج في سياق هموم الضمير المصري.

د. أحمد الخميسي . كاتب مصري 

 

 

 

 
   
 

التعليقات : 0

 

   
 

.