3

:: علاء الديب.. شجن الوحدة والاغتراب ::

   
 

التاريخ : 05/04/2016

الكاتب : د. أحمد الخميسي   عدد القراءات : 631

 


 

 

لو أن الظروف كانت قد أسعدتكَ بالتعرُّف إلى شخص علاء الديب والتردُّد عليه في الفيلا الصغيرة التي يسكنها في المعادي، والجلوس معه في شرفته المطلّة على حديقة صغيرة هادئة، لرأيتَ كيف يختلس الديب، وهو يشرب قهوته، نظراتِ محبةٍ سريعة إلى الحديقة فتبدو لك كأنها امتدادٌ أخضرُ هامسٌ لروحه العذبة، ولكنتَ قد لمحتَ الشجن المهذّب الصامت في نظرته. تتطلع إليه وتحتار أيُّهما الأعزُّ فيه: الكاتب؟أم الإنسان؟ أم هي حقول الروح مترامية يفضي كل منها للآخر؟.

الشجن المهذب في استسلام طائر أسقطته رصاصة، والحزن على مصائر البشر، والتشبُّث رغم بالأمل، من ذلك كله يقوم عالم علاء الديب القصصي والروائي. الديب من مواليد 1939، لكن إبداعه بدأ في الظهور في الستينات مع حلقة من الكتاب شكّلوا جسرا ما بين جيلي الخمسينات والستينات، منهم بهاء طاهر وأبو المعاطي أبو النجا وسليمان فياض وإدوار الخراط وغالب هلسا. كلهم من مواليد الأربعينات لكن ظهورهم وإبداعهم تقاطع مع أبناء الستينات.

نشر الديب أول قصة له " الشيخة" في 1962 وصدرت مجموعته الأولى "القاهرة" في 1964، وصدرت مجموعته الثانية "صباح الجمعة" في1970. فكريا ينتمى الديب إلى قيم الوطنية المصرية التي تشكلت قبل ثورة يوليو ثم رسّختها الثورة: الاستقلال. التصنيع. العدالة الاجتماعية. العداء للاستعمار ودعم حركات التحرر وفي المقدمة منها فلسطين التي تشغل مكانة خاصة لدى شخصيات علاء الديب في تأمّلاتها وأحاديثها. وعند أمين الألفي بطل "أيام وردية" فإن فلسطين هي: "فكرة مسيطرة يقيس بها مواقع الناس، وعامل مساعد يكشف به الصدق من الكذب"، بل وفلسطين لديه "دائما تسدُّ حلقه، كأنما هو الذي باع، والذي خان، هو الذي مات وصمد مثل الشجر، هو الذي انفجر واستشهد، هو الذي تشرّد وحوصر وقاتل وقتل".

مع أن الديب لا يهمل تأثير الشروط الموضوعية التي تساهم في خلق الوعي وتشكيل البشر، إلا أنه يميل بقوة للاعتقاد بأن بوسع الانسان، بل وواجبه، أن يتجاوز كل الظروف وأن يتحكّم في حياته في مواجهة كل شيء، تلك هي القضية الأخلاقية الأولى في إبداع الديب كله: المسؤولية الشخصية، الأخلاقية والانسانية، عن مواجهة المنظومة السياسية والفكرية المنهارة، هذا أو أن يلقى الانسان عقابه فينزلق إلى الخواء، والوحدة، وتقديس المعايير الاجتماعية التي تمجّد الثروة والنفاق والكذب. هكذا تتصدّر مسؤولية الانسان الأخلاقية المشهد الأدبي لدي علاء الديب، وتكاد أن تكون عقدة العمل الأدبي وجوهره. لهذا فإن كل شخصيات علاء الديب من دون استثناء تكابد الوحدة والاغتراب المرير بعمق، ومعظمها من مثقفي الطبقة الوسطى التي تشتبك بدرجات متفاوتة مع الابداع. يلوح قدر الوحدة والاغتراب لدي الديب منذ روايته الأولى "القاهرة" 1968، إذ يطالعنا الديب بشخصية "فتحي" التي تجسّد الخواء الروحي القاسي. موظف شاب يحيا مع امرأة تراه "شخص مترهل تعس.. لكنه فرصتها الأخيرة" ويراها هو مجرد "إطار كاوتش لم يعد صالحا للاستعمال"، وحينما تفاجئه المرأة بأنها حامل فإنه يرتبط بها لكنه يقوم بخنقها في الليلة الأولى من الزواج. ويقول في دفاعه في المحكمة: "لم أقتلها لأنها بغي.. لم أكن اريد لابني أن يولد.. كنت أريد أن أتأكّد من أن حياتي لن تلوث الجيل القادم.. وأن الدنيا لن تشهد فتحي آخر". يأتي دفاع فتحي أقرب ما يكون إلى بيان بانسحاب المثقف، وهزيمته، بل وانتحاره بعد نكسة 1967، مدركا – سواء أكان على حق أم لا- أنه لم يترك أثرا، والأقسى أنه لا يود أن يترك أثرا، بعد أن انزوى حسب اعتقاده "كل وجه نبيل وكل قيمة شريفة"، فلم يبق سوى أن يعيش وحده "هذا الخواء المرعب". ويظلّ بيان موت المثقف الذي أعلنه الديب في روايته الصادرة بعد النكسة مباشرة يحكم وينتظم كل أعماله اللاحقة من دون استثناء حتى روايته الأخيرة "أيام وردية" الصادرة عام ألفين، مرورا بثلاثية الديب: "أطفال بلا دموع" 1989، و"قمر على مستنقع" 1993، و"عيون البنفسج" 1999. في كل أعمال الديب اللاحقة على "القاهرة" نرى ثمار النكسة – بعد حوالي ربع قرن من وقوعها- وقد تجسّدت وأصبحت جزءا من التكوين النفسي والفكري للبشر الذين تشبّعوا بالمرارة واليأس والانتهازية والهروب من كل مواجهة والتطلع إلى النقود، والشعور بأنه ما من مخرج وما من ضوء في نهاية النفق. وبينما يشير الديب إلى الظروف التاريخية التي خلقت كل ذلك، فإنه لا يكف في الوقت ذاته عن تحميل الانسان مسؤولية شخصية أخلاقية عما آل إليه وجوده.

في ثلاثية الديب يتناول الكاتب حياة أسرة تتألف من الزوج  د. منير في "أطفال بلا دموع"، ثم زوجته د. سناء في "قمر على مستنقع" وأخيرا ابنهما تامر في "عيون البنفسج". في الروايات الثلاث القصيرة نقرأ القصة على لسان الراوي، الشخصية الرئيسية، لننتهي إلى تأمل أسرة يعيش كل فرد منها بمعزل عن الآخر بل وعن الآخرين، ويعاني بمفرده من الوحدة والخواء، قدر شخصيات علاء الديب المرير. 

لا يولي الديب في أعماله اهتماما جماليا خاصا للغة بحد ذاتها، ويعتمد البناء الفني لديه أساسا على "المونولوج الداخلي" للراوي، و"الفلاش باك"، وتُثار أحداث صغيرة متفرقة يومية، أما أفعال الشخصيات فلا تأتي استجابة لأحداث محددة لكنها تنبع من الداخل، أقرب لحوار مع النفس، ويكاد العالم الخارجي لديه أن يكون تكئة لحديث النفس، لهذا يلقي الشعر بظلاله وعطره على الروايات، ولا يعوض شحوب العالم الخارجي الواقعي سوى ذلك الصدق المرير والأمل الخافت الذي يتنهد بروح الكاتب في الروايات. في "أطفال بلا دموع" يقدم لنا علاء الديب دكتور منير أستاذ الأدب العربي بإحدى الجامعات الخليجية، المفكر العربي، الذي هجر كل آماله أو هجرته هي، وهاجر متفرّغا لجمع الأموال بكتابة أبحاث في قضايا قتلت بحثا مثل غزل المعلقات. ينفصل عن زوجته د. سناء ويتذكرها بصفتها "بنت مصر الجديدة والنادي.. لا تعرف إلا المرحاض الأفرنجي والاستلقاء عارية في البانيو الفاخر وتدليك فخذيها ويديها بالكريم". يقول د. منير لنفسه: "كنت وحيدا. ومتى لم أكن وحيدا؟". وفي وحدته يشتاق لبلدته في الصعيد، وللشجرة التي يتكرر ظهورها في أعمال الديب رمزا للطبيعة، لكن أشواقه تلك تحوم حول قرية لم يعد لها وجود، مثل الفردوس المفقود. أما الحقيقة الصلبة فهي أنه يعيش على كتابة المقالات الجوفاء، وتدريس قشور العلم، ويتجرع مرارة الافتراق عن ولديه اللذين انتزعتهما منه زوجته بعد الانفصال. يتذكر الولدين في حلم: "يصرخان في وجهه بلا صوت، عيونهما من حجارة مليئة بدموع لا تنحدر.. أمسك وجهيهما. أهزّ الوجه. لا أسمع لهما صوتا ولا الدموع تنهمر". كيف أطبقت الوحدة والغربة والنهم إلى المال قدر إنسان كان يوما مشغولا بأحلام كبري؟.

في الجزء الثاني "قمر على مستنقع" تحكي د. سناء زوجته القصة من وجهة نظرها، وتقدم لنا حياتها معه على أنها كانت" جحيما في جحيم"، وأن د. منير لم يكن سوى" ماكينة بشعة للأكل والجنس والنقود" أما عن علاقته بالثقافة فتقول إنه كان "يغلق على نفسه حجرة المكتب.. يغيب ساعة أو ساعتين، يخرج منتصرا يحمل كومة أوراق، يلقي بها أمامي، يقول: خمسمائة دولار ياهانم.. مقال رهيب عن التصوف الإسلامي"! أما السنوات التي قضتها معه في الخليج فلم تكن إلا غرقا في "مستنقع الغباء والأنانية والنفط". وخلافا  لحكاية د. منير فإن قصة سناء تكاد أن تخلو من ضغط الهموم العامة، ما عدا إشارتها العابرة لاختلاف أحوال مصر بعد وفاة عبد الناصر، وإلى تبدل البشر، وهجرة أخيها أمين الذي كان يتحدث عن: "طب الريف، وخدمة الفقراء، وتبسيط العلاج والمصاريف.. كيف انسحب؟". ومثل كل شخصيات الديب تعاني سناء كما تقول من: "الفشل والضعف والوحدة الحارقة".

الجزء الثالث" عيون البنفسج" يصل فيه المؤلف إلى حالة جديدة مجسدة في شخصية "تامر" ابن منير وسناء، فإذا كان الوطن قد تعرض من قبل لهزة ونكسة لكنه بقى ملاذا، فإن ذلك الوطن يتلاشى تماما لدى ابنهما تامر الذي تحاصره – مثل كل شخصيات الديب- "أحزان الوحدة الخانقة". تامر رمز لجيل آخر مختلف، حيث لم يعد  لشيء أي شيء معنى أو قيمة.  يشعر تامر بأنه "بلا جذور، معلق في الهواء"، ولم تعد هموم الوطن هي سؤاله، فقد انقلب السؤال إلى: هل ثمة وطن أصلا؟. إنه يسأل صديقه حسين كاظم "أنا لم أعد أعرف ماذا يعني أن أكون مصريا؟ هل تستطيع أن تقدم لي تعريفا للوطن؟!". وينتهى الجزء الأخير من الثلاثية بهزيمة حسين كاظم صديق تامر الذي يقع هو الآخر في فخّ الهجرة بعد أن ضاق بالفقر وقرر السفر إلى الخليج. بهذه الهزيمة الأخيرة، هزيمة حسين كاظم تنتهي عيون البنفسج، وتنتهى معها ثلاثية الغربة والوحدة، قدر المثقف المهزوم، وهو الموضوع الرئيسي لروايات وقصص علاء الديب، وإليه يعود في آخر رواياته "أيام وردية" فيقدم لنا أمين الألفي تجسيدا لكل ملامح بطل الستينات الذي حطمته النكسة وأطاحت أحلامه في التحرر، والعدل. أخلص من صميم قلبه لتلك الأحلام، لم يبدل جلده ، ولا تماشى مع التيار، فأخذ الواقع الجديد يطحنه على المستوى العام وعلى المستوى الشخصي في علاقته بزوجته شادن التي تعرّف إليها ذات يوم بعد النكسة حين كانت: "تجرى في مكاتب الجرائد والمجلات، تكتب موضوعات لإعلاء كلمة اليسار وقوى الشعب العامل، مندفعة متحمّسة"، فإذا بها تقع بعد النكسة في قبضة "الحاجة زينب" التي عادت من الخليج مسلحة بكل قيم الرجعية، وإذا بزوجته تختلف، فلا يكاد يعرفها، إلى أن ينفصل عنها. وتحطّ الكآبة على روحه وتؤدي به لدخول مصحة نفسية. يقدم الديب بطله بصفته "مفكر عربي" ويقصد بذلك ما جاء لاحقا من أن فلسطين بالنسبة للألفي هي "النغمة الحزينة الممضّة التي تربض تحت كل الأيام والساعات.. نغمة تتصاعد في القلب مستمرة ثابتة رغم طبول الأكاذيب". لكن أمين الألفي، المثقف، العربي، المصري، لا يفلت من مصير د. منير، وسناء، وتامر، ومن قبلهم فتحي في "القاهرة". مجددا يعزف الديب على وتر الوحدة والضعف. أما الشخصيات التي تبشر بالأمل، أو تجرب الانتصار والتحدي، فإنها تلوح عند الكاتب من بعيد، شاحبة، كأنما لابد من الاعتراف بإمكانية وجودها نظريا لكن من دون حماسة المؤلف لها. إن الصدق مع النفس، والاعتراف بالهزيمة، هو السمة الايجابية العظيمة لشخصيات لا تخدع نفسها، ولا تكذب، ولا تداري حقيقة الهزيمة التي لحقت بها. شخصيات علاء الديب كما يصف إحداها "انتصاراتها مهزومة وهزائمها تنتحل رايات النصر". ويضيف الديب: "لكن، أليست هذه هي قصة هذا الزمن الذي نعيش فيه؟"! . يقول علاء الديب في أوراقه إن والده كان: "ينقل إلى جليسه محبة وسكينة". هذا بالضبط هو الأثر الذي كان علاء الديب يتركه في أصدقائه ومحبيه "محبة وسكينة"، لكنها مشبعة بشجن عميق وأسى على العالم والبشر. ظل على مدى أربعين عاما يقدم في الصحافة باب "عصير الكتب" ويعرف القراء بالكتاب الجدد بدأب وصبر، مرورا بمجموعاته القصصية الخمس، ورواياته الخمس، وترجماته التي تنوعت ما بين القصة والمسرح. كنت أجلس معه ساعة أو ساعتين فلا أسمع منه أبدا كلمة  "أنا" ولا أية إشارة عابرة لأعماله. يحدّق بك باهتمام ويسأل: "كتبت حاجة جديدة؟". أو يتناول كتابا ويدفع به إليك قائلا: "اقرأ قصص هذا الشاب، ممتاز". لم أسمعه مرة يغتاب أحدا أو يقلل من شأن أحد.

رحل علاء الديب عن عالمنا في 18 فبراير هذا العام. فارقنا إنسان تمتع بموهبة حب الناس الفريدة، وكاتب تجاوز دائما النقص في محاولات الآخرين وفيهم أنفسهم متطلعا إلى أبعد من ذلك: ربما يحل يوم يصبح فيه أولئك البشر أفضل، وذلك الأدب أجمل؟ ولأجل يوم كهذا يمكن التشبّث حتى النهاية بحب الناس والأمل. لاشي يقال عند الوداع سوى أن كلماتِ الوداع مُرَّةٌ، والموتَ مرٌّ، وكلَّ شيء يسرق الإنسان من إنسان. 

د. أحمد الخميسي. كاتب مصري

 

 

 
   
 

التعليقات : 0

 

   
 

.