3

:: من تنوير العقل إلى تنوير الشعور ::

   
 

التاريخ : 24/03/2016

الكاتب : د. أحمد الخميسي   عدد القراءات : 853

 


 

 

عندما نتحدث عن "التنوير" فإننا نتّجه إلى تصحيح الأفكار والمعتقدات والمفاهيم البالية المتوارثة في منطقة الفكر والعقل، لكن خيالنا لا يقترب من أن التنوير لابد وأن يشمل الأذن، أي أن يتّجه إلى تنوير الشعور بالموسيقا، وقلّما نفكّر في تنوير آذان الناس، أي مشاعرهم، وهي الأرض الأولى لكل فكرة جميلة. يحتاج تنوير الآذان منا إلى مجهود ضخم يبدأ باستعادة حجرات الموسيقا في المدارس، واشتمال المناهج التعليمية على دراسة الفن، وتاريخ الرسم، والنحت، والرقص، وكل ما يضيء الشعور بالجمال. هذا بينما هبطت موسيقانا إلى درك يذكّر بقول ابن خلدون إن الموسيقا أول ما يتلف عند اختلال الحضارة وتراجعها.

نحن بحاجة لتنوير الأذن أولا بانتشال الناس من مستنقع الأغنيات الهابطة السائدة التي مثل قُطّاع الطرق لا تكفّ عن قطع الآذان. في سبيل ذلك لابدَّ من استعادة وإحياء المدارس الموسيقية التي أقامها عمالقة النغم المصري: محمد القصبجي، ونادر المثال رياض السنباطي، وعبد الوهاب، والموجي، وأحمد صدقي، وغيرهم، وبالطبع سيد درويش الذي حلّت في 17 مارس الحالي ذكرى وفاته المئة والرابعة والعشرين من دون أن نسمع عن أي تحضير لعرض ولو عمل واحد من أعماله في دار الأوبرا. وقد اعتاد الناس لدينا على الموسيقا فقط في ارتباطها بالكلمة، أي على أن الأغنيات هي الشكل الموسيقي الوحيد. وقد اقترح الفنان سيد بدير ذات مرة اقتراحا عبقريا بأن يتم توزيع أشهر الألحان وإذاعتها من دون كلمات كخطوة أولى ليعتاد الناس بعد ذلك على سماع الموسيقا البحت مجرّدة بمعزل عن اللغة، ومن ثم ينتقلون إلى الموسيقا الكلاسيك وغيرها. وحتى داخل النخبة الفكرية والأدبية فإننا قلّما نجد من يميز عبقرية السنباطي عن لهب الموجي، فليس لدينا أي تعريف بأولئك العظماء الذين ارتبطت عواطفنا بألحانهم، واقترنت كل قصص الحب في شبابنا بأنغامهم. وأنت إن أمعنت النظر إلى ألحان السنباطي ذات المقدمات الطويلة الفخيمة، ستجد أنه أقرب ما يكون إلى نجيب محفوظ في الأدب، فلدى الاثنين ذلك البناء المعماري، والقضية الأدبية، أو اللّحنية، الكبرى، وتعدّد الألحان أو الشخصيات، والمشاهد العريضة. بينما تشبه أغنيات محمد عبد الوهاب إنجاز يوسف إدريس في القصة القصيرة، اللحظة، المحكمة، اللامعة، الجميلة.

وقد آن الأوان لكي ننشر أعمال أولئك الموسيقيين العظام، مجموعة، بأسمائهم هم، وليس بأسماء المطربين! بحيث يتعرّف المستمع إلى العالم الفنّي لأحمد صدقي، أو محمود الشريف، بغضّ النظر عن أسماء المطربين النجوم. وآن الأوان لكي نجدّد عروض تلك الأعمال التي صاغت تاريخ الموسيقى المصرية لتكون نواة للتجديد، ولكي ننتقل بها إلى تنوير الأذن بالشعور بالجمال. ومن دون ذلك التنوير الجمالي، يصبح التنوير ناقصا، مشوَّها، وغير موثوق بمدى بقائه، إذ لا قيمة لعقل يبدو منفتحا مع قلب معتم بالجلافة. ولم تكن مصادفة أن يقول شكسبير في مسرحية له على لسان إحدى الشخصيات: "احذر ذلك الرجل، إنه خطير جدا.. إنه لا يتذوّق الجمال"!

إنني لا أثق في تنويرٍ يكتفي بمخاطبة الفكر، ولا يغرسُ الجمالَ في النفوس، فصلاحية ذلك النوع تمتدُّ لفترةٍ قصيرة. 

د. أحمد الخميسي. كاتب مصري

 

 

 

 
   
 

التعليقات : 0

 

   
 

.