3

:: عبقرية المرأة وحكايا الجدات ::

   
 

التاريخ : 23/02/2016

الكاتب : فاطمة المزروعي   عدد القراءات : 830

 


 

 

البعض يعتقد أن حضور المرأة في التاريخ البشري كان محصوراً في مساعدة الرجل، أو الوقوف معه، بمعنى أنه لم يكن لها دور في مجمل الظروف والمهام التي تتطلّبها الحياة، ومثل هذه النظرة للصواب تماماً، لأن المرأة كانت دوماً تقوم بمهام وأعمال لا تقلّ أهمية وحيوية عن الرجل، فقد كانت مشاركة في حين ومبدعة ومبتكرة في حين آخر، وليس في مجال دون الآخر، بل بشكل عام. ولعلّ العصر الحديث أثبت الكثير من قدرات المرأة التي لا تقلّ عن شقيقها الرجل، عندما تقلّدت مناصب متنوعة ومراكز قيادية مختلفة.

وكان واضحاً أن المرأة، وبسبب حالة مرّت بالبشرية ضاعت فيها الحقوق الإنسانية وباتت الكلمة الفصل للأقوى، فقدت كثيراً من الإرث النسوي الفاعل في المجتمعات، لكن ما نشهده اليوم يعيد الأمور لنصابها، والعالم ومجتمعاته المتنوعة اليوم في حالة من تنامي الوعي وزيادة الإدراك لهذا الدور من النواحى الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعلمية وغيرها.

قدّمت السيدة مارى إيلين وبث، للمكتبة المعرفية كتاباً قيّماً، حمل عنوان:  "تاريخ النساء الفلاسفة في العصرين اليوناني والروماني"، وهما عصران ضاربان عمقاً في الزمن، قدّمت المؤلِّفةُ من خلاله عدداً من الشخصيات النسائية، اللاتي تميزت آراؤهن ومنجزاتهن بالمعرفة العميقة وابتكار النظريات، على مختلف أنواع هذه المعارف، حيث تقول في مؤلفها:  "إن المصادر القديمة تشير إلى أن النساء كنَّ نشيطات، وأنهنّ لعبن دوراً جوهرياً في تطور الفلسفة المبكرة، إذ يخبرنا ديوجين لايرتوس بأن أرسطو كان دوماً يؤكد أن فيثاغورث قد استقى جزءاً كبيراً من آرائه الأخلاقية من السيدة ثيميستوكليا". وفي مثال آخر قدمت ماري إيلين في كتابها، نموذجاً آخر عن سيدة عاشت في تلك الحقبة التي يؤرَّخ لها بقبل الميلاد، وهي السيدة لثيانو الكروتونية، والتي كانت تلميذة لفيثاغورث، والتي عرف عنها تميزها بالعمق الفلسفي النسائي، ومن أقوالها المعروفة:  "الحب الرومانسي ليس أكثر من الميل الطبيعي إلى نفس طاهرة".

وإذا كان للمرأة كل هذا الوهج في تلك الحقبة الزمنية الغابرة، فكيف هو الحال في العصور الزمنية التالية؟ ولو قمنا بالمزيد من البحث في هذا الحقل، أو لما تم تأليفه من كتب بحثية تتناول ما قدّمته المرأة للبشرية بأسرها، فإننا سنجد كنزاً معرفياً يُظهر هذه العقلية ومدى تأثيرها في الحياة، وكذلك سنجد في نهاية المطاف، أنها – أي المرأة – لم تقلّ بأي حال من الأحوال عن الرجل، هذا إذا لم تتفوّق عليه في بعض المجالات الحياتية وبعض العلوم والمعارف، وهذا التميز يتواكب مع ما أثبته العلم الحديث أن السمات الفردية للمرأة وللرجل على حدّ السواء تختلف من شخص لآخر، فهناك العباقرة والمبدعون، سواء كانوا نساء أو رجالاً، بمعنى أنه ثبت منذ فترة طويلة – علمياً - أن هناك نساء عبقريات مثلما وجد رجال عباقرة، بل إن العبقرية لا دخل لها بجنس العقل أهو لرجل أم لامراة.

لكن من دون شك حدث خلل وسبب أدى لمثل هذا التسطيح لدور المرأة، ليس في مجتمع وإنما في المجتمعات كافة، منذ القدم وحتى عصرنا الحالي حيث توجد بعض الأرجاء من العالم لم تتطور فيها حقوق الإنسان بصفة عامة وحقوق المرأة بصفة خاصة.

في كتابٍ قيِّمٍ من تأليف السيدة ديل سبيندر، والذي حمل عنوان:  "لغةٌ من صنع الرجال" تناولتْ بكثير من الشرح والتفصيل سبب مثل هذا الخلل، المتعلق بالتقليل من شأن المرأة وتقدير منجزها الإنساني أيا كان نوعها، واستحضرت بذكاء بالغ نقطة جوهرية تثبت غمط وظلم ذكاء المرأة عندما قالت: "بينما ورثنا المعاني المتراكمة للتجربة الذكورية فإن معاني وتجارب جداتنا غالباً ما اختفت من على وجه الارض".

وهذه نقطة جوهرية يجب التركيز عليها عند النظر لحال المرأة خاصة من جانبه المعرفي، فمن الذي علم الجدات سرد الحکایا؟ ومن الذي غذى عقولهن بكل هذه التفاصيل في حكاياتهن الملهمة؟ ألا يسمى هذا بالإبداع؟ وإذا لم يكن مثل هذا إبداعاً فما عسانا نسميه؟

هذا الإرث المعرفي العظيم، الذي جاء على ألسنة الجدّات، لم يُحْتَفَ به، ولم يُنشر على نطاق واسع، برغم أنها حالة موجودة في كل مجتمع تقريباً..

 

 

 
   
 

التعليقات : 0

 

   
 

.