3

:: ألانتظار بين الاختناق والرّجاء! ::

   
 

التاريخ : 23/02/2016

الكاتب : إيلي مارون خليل   عدد القراءات : 848

 


 

 

تنتظرُ مَن تُحِبُّ!؟ تنبِضُ بقَلَقَين: نفسيّ وجسديّ، أو قلْ: روحيّ ومادّيّ.

يتأخّر؟ تحيا عذابَين: نفسيّ وجسديّ، أو قلْ: روحيّ ومادّيّ.

يتأخّر أكثر؟ يَضغطُ قلبُك عليك، يكاد دمُك يفجِّر، فيك، الشّرايين.

يتأخّر كثيرًا؟ تتحوّلُ إلى كُتلةِ خوفٍ وقلقٍ وعذابٍ وقَهْرٍ.

إذ ذاك، يفرغُ رأسُك من أيّ فكرةٍ، أو صورةٍ، أو رأي. ويمتلئ، في الحين عينِه، بكلّ فِكَرٍ، أو صُوَر، أو آراء. وتتنازعُك نفسُك، أو تتصارع، في نفسِكَ، الأمورُ ونقائضُها، الخيرُ والشّرُّ، السّلامةُ والإصابة... تتغلّبُ، أوّلا، فِكَرُ الخيرِ والسّلامة، فتحسَبُ أن تأخّرَ لسببٍ، يكونُ قد تأخّرَ في العمل، في ازدحام السّير، التقى بأحد... ثمّ تُسَيطرُ فِكَرُ السّوءِ وصوَرُه، فترى أنّه تعرّض لطارئ صحّيٍّ، لحادثِ سيّارةٍ في الطّريق، لعَرْقَلةٍ ما، أو مُضايقةٍ، من "إحداهنّ"، أو من "أحدهم"... وتشعرُ بغَيرةٍ تكادُ تحرقُك! تتضاربُ الأفكارُ، الصُّوَرُ، الرّؤى، اتّجاهاتُ الرّأي...

وتَغصّ حتّى الاختِناق. تتساءلُ: أيأتي المنتظَرُ، أم لا يأتي؟ يأتي معتذِرًا لتأخُّر، أم لا يأتي ولا يعتذر؟ أأنا في بالِهِ، أم أنّ بالَهُ فارغٌ منّي؟ أأعني له شيئًا، أم لا أعني؟ أيُفكِّر فيّ، الآن، أم لا يفكِّر؟ أيعنيه أن يأتي إليّ، أم لا يعنيه الأمرُ شيئًا؟

وتتزاحم، في كِيانِك، كِيانِك كلِّه، مثلُ هذه التّساؤلات، وأنتَ "لا حَولَ ولا..." فتتلعثَمُ خُطاكَ، يتجمّد عقلُك، ويروح يلوح لكَ المُنتظَرُ في وجه كلِّ آتٍ، في مشيته، في شكله من بُعْدٍ... وكلّما خشخشتْ أوراقٌ صُفرٌ، في طريق، قلتَ هو أتى. وكلّما رأيتَ جمالاً، اشتعلْتَ بالحنين. وكلّما حلمتَ، ارتكض فيك الخَلاصُ. وكلّما تنهّدتَ، ثارت فيك الأشجان. وكلّما... وكلّما... وتتحوّل انتظارًا!

إلاّ أنّك تبقى تُصِرُّ على الانتظار! تُجالِدُ، تُعانِدُ، تتعذّبُ، لا تتراجع. ما فيه هذا الانتظار!؟ أهو هَوَسٌ، أم لذّة!؟ أهو تحريضٌ، أم إيحاء!؟

تعرفُ، أنت، أنّك مُجالِدٌ، وتصمُد. وأنّك مُعانِدٌ، وتستمرّ. وأنّك مُعَذَّبٌ، وتحتمل. وأنّك ثابتٌ، ولا تَمَلُّ. أوَليس أمْرُك بالغريب!؟ لِمَ هذا الاحتمالُ السّيزيفيُّ، أم أنّك لا تراه كذلك؟ تنزف، تنزف، تتألّم، تتلوّى قَهرًا، ألمًا، تفور دماؤك... ألا تشعر؟ أم أنّ صبرَك لا محدود؟ لا محدود، لماذا؟ هل يستحِقُّ الأمرُ؟ ألا تُجازِفُ بكرامتِك؟ أم أنّك لا ترى إلى الأمر من النّاحية، هذه!؟

فمن أيِّ زاويةٍ، ناحيةٍ، اتّجاهٍ، أنت ترى إلى ذلك؟ أم أنّك لا ترى إلى الأمر من أيّ منظار، بل أنت تحسّ، تحدِسُ، تحيا!؟

ألانتظار! الانتظار! سِرُّ الأسرار، فَيضُ الشَّوق، نِعمةُ الحنين. ألانتظار! الانتظار! هينماتُ النّفسِ، هيمناتُ الرّوحِ، تهويماتُ الكِيانِ كلِّه، كلِّه.

فما السِّرُّ في ذلك؟

إنّه "اللّغْزُ"، لغْزُ الألغاز. إنّه المَدى. إنّه المدار. لا آفاقَ له، لا حدود، لا تحديد. أوَتُحَدَّدُ الحياةُ، أو تُعْرَف، أو تُعَرَّف، أم يطالُها مَدى، أو يُضَيِّق عليها مَدار، أو تُيبِسُها آفاق، أو يُحْجَر عليها ضمن حدود؟

ألانتظار حياةٌ. حياةٌ تالية. وكما لكلِّ حياةٍ لونٌ، رائحة، مذاق، ملمس... كذلك للانتظار. لا انتظارَ يُشابِهُ أيَّ انتظارٍ آخر. لكلّ انتظارٍ لَونٌ. أنت تجدُ الانتظارَ الأبيضَ، الأسودَ، القاني، النّاعمَ... وأنت تجدُ الانتظارَ الحُرَّ، القَلِقَ، المُختنِقَ، الغاصَّ... وأنت تجِدُ الانتظارَ الهادئَ، السّاكنَ، المُطمئنَّ، الوادعَ. والانتظار البارد، والحارّ، والجارح، والمُضَمِّد، والحالم، والعميق، والواسع، والشّامل...

كلُّ انتظارٍ لا نهائيٌّ! متى تحقَّق زال. ألزّائلُ جافٌّ، يابِسٌ، هَشٌّ، لا قيمة له. يأتي مَن تُحبُّ وتنتظر؟ تنتظر من جديد. تنتظره أو تنتظِر سِواه. لَكأنّ الانتظارَ أهمُّ من المنتظَر! ولِمَ لا؟ أوَليس الحُبُّ، هو أيضًا، وأحيانًا، أكثر أهمّيّةً من المحبوب!؟

يأتي، أو لا يأتي، "ليست هي المسألة"! أبدًا، "ليست هي المسألة"!

ألمسألة! المسألة؟ في أن يكون لك مَن، أو ما تنتظر! مَن تنتظر، أو ما، أنت تحيا لأجله! أنت تحيا الانتظار؟ هنيئًا لك! فأنت حيٌّ! إنّ لك مَن تنتظرُه! أنتَ المُنتظِر؟ هنيئًا لك! فأنت حيٌّ! إنّ لك مَن ينتظِرُك!

ألحياةُ في بال الآخر، وفي ضميرِه، أمرٌ غايةٌ في العذوبة، الحنان، الجَمال...

 

         

 

 
   
 

التعليقات : 0

 

   
 

.