3

:: إذا أردنا التطور والتقدم ::

   
 

التاريخ : 29/01/2016

الكاتب : فاطمة المزروعي   عدد القراءات : 373

 


 

 

يطيب للبعض من الدارسين العرب، القول بأن الحضارة الغربية قامت أسُسُ نهضتها على التراث العلمي الهائل للحضارة العربية الإسلامية، وليس هناك في كثير من الأروقة العلمية فى الغرب جحودٌ أو إنكارٌ لهذه الحقيقة، بل إنهم يقيمون نُصُباً تذكارية لعدد من علمائنا مثل ابن الهيثم وابن سينا وغيرهم، بل إن عددًا من الفلاسفة والمؤرّخين والمستشرقين كتبوا كلمات إيجابية جداً عن الحضارة العربية والإسلامية، مثل المؤرخ الفرنسي غوستاف لوبون، الذي كتب في علم الآثار وعلم الأنثروبولوجيا، وعُني بالحضارة الشرقية، يقول: «إن حضارة العرب المسلمين قد أدخلت الأمم الأوربية الوحشية في عالم الإنسانية، فلقد كان العرب أساتذتنا، وإن جامعات الغرب لم تعرف مورداً علمياً سوى مؤلفات العرب، فهم الذين مدّنوا أوروبا مادةً وعقلاً وأخلاقاً، والتاريخ لا يعرف أمة أنتجت ما أنتجوه، إن أوروبا مَدينة للعرب بحضارتها».

إنها حقيقة لا خلافَ بشأنها، وإذا أمعنّا النظر فإن الحضارة الغربية تقوم على التفاعل الذكي مع مختلف الحضارات الإنسانية، بمعنى أنها تتقبّل الجميع وتمتصّ التراث والقيم والأفكار، بل إنها تفتح أبوابها لهجرة العقول من أي بقعة من العالم، وتتقبّل الجميع تحت شعارات برّاقة ورنّانة من التسامح والقيم الإنسانية وغيرها، وهي آلية ذكية في البناء والتقدم والرقي؛ إنهم ينتجون الأفكار والمخترعات ويلهمون البشرية بكل جديدة، ويخيل لنا أن هذا من لبِّ أفكار العقول الذكية الأوروبية الأمريكية، إنما لو بحثت قليلا سوف تجد أن معظم من يقف خلف هذه الأفكار هم أناس ينتمون في الحقيقة لمجتمعات أخرى وبلدان بعيدة، لكنهم هاجروا نحو الاستقرار ونحو الأنظمة والقوانين ونحو حقوق الإنسان ونحو التعليم القوي ونحو التقدير المهني والعلمي، وهي جوانب تتوفّر في أوروبا وأمريكا وليست بالضرورة موجودة في كثير من بقاع العالم.

هذه نظرة مبسّطة وأولية للواقع الذي تتغذّى منه الحضارة الغربية، فهي تمنح الأمل الآخرين -خاصة العقول الملهمة الذكية - وتفتح لهم الجامعات والمعامل ومراكز الأبحاث في تناغم بين إشباع رغبة الإنسان في التميز والتفوق، وبين حاجة المجتمع والحضارة الغربية للمزيد من المبتكرات والتميز في الحقول العلمية، وهذا يشبه تمامًا ما قاله غاندي: "لا يمكن لحضارة العيش إذا كانت تحاول أن تكون حصرية".

هذا الفعل لم تقم به كثير من الأمم، بل إن بعض المجتمعات انغلقت وأوصدت بابها أمام أي قادم، بحجّة المحافظة على الهوية، لكنها في الحقيقة أوصدت الباب أمام المد العلمي والمعارف والتطور. وبعد أجيال اكتشف بعضهم فداحة الخطأ وعادوا نحو الطريق الصحيح، وبدأوا من جديد بالخطوة الأولى. لا تخلو حضارة من القيم الإنسانية والفضائل، إلا أن هذه الأمور غير كافية لدفع الأمم نحو التميز والرقي، ثمّة أدوات أخرى لذلك، أهمها وأولها العلم. فالعلم أول الخطوات نحو التطور والتقدم.

 

 

 
   
 

التعليقات : 0

 

   
 

.