3

:: بين الذّاكرة الإبداعيّة والذّاكرة التّأريخيّة في الشِّعر العربيّ المعاصر - إلياس أبو شبكة نموذجًا - (2/3) ::

   
 

التاريخ : 23/01/2016

الكاتب : إيلي مارون خليل   عدد القراءات : 898

 


 

 

       ألفوارِق

       وبعدُ؛

       لِمَ هذه الفوارقُ، هذا الاختلاف، هذا التّناقضُ بين شاعرَين، أو كاتبَين... وفي الزّمن نفسِه!؟     يعود الأمرُ إلى عوامِلَ كثيرة، نتوقّف عند خمسةٍ منها، فحسبُ، لئلّا يطولَ بحثُنا، فنُرهِق ونُملّ، أوّلُها هو الثّقافة.

       فما هي الثّقافةُ، لتكون أوّل العوامل المؤثِّرة؟

       ألثّقافةُ مشروعُ تحصين الذّات بوجه الأعاصير الّتي ليس أهمَّها الجهلُ، بل فراغ النّفس والرّوح ممّا يُجَدِّدُهما، وامتلاؤهما بما يُشينُهما. ما يجدِّدُهما!؟ الرّؤيا وروح التَّخَطّي والمغامرة في سبيل جديد خصبٍ ومُثْرٍ. وما يُشينُهما!؟ الجُمودُ والرّكودُ فتأسَنان وتتعفّنان، فلا انطلاقٌ، ولا تغييرٌ، ولا تجديدٌ، بل ثباتٌ على ما اعتادَتا عليه في زمنهما، مستوحًى من ماضٍ أفلَ، لا تزالان تظنُّانه الأكثر أهمّيّةً وأصالةً، الصّالحَ لعصرِه وأيِّ عصر، ما يتنافى ومبدأ الانفتاح والتّطَوُّر. لكن، يجب ألّا يكون الحاضرُ صورةَ الماضي، أو مرآتَه. هذا قتلٌ للماضي، أو تحجيمٌ له، ونَحْرٌ للحاضر، واغتيالٌ مُسَبَّقٌ للمستقبل!    

       والثّقافةُ "هَضْمٌ" للمعرفة، فَهْمٌ لها، انطلاقٌ منها، لـ"تهوئتها" وتجديدها، ما يؤمّن، للإنسان، سعادةً أوفر، ورفاهيّةً أَعَمّ. وهاتان من غايات الحياة في كلِّ بيئةٍ، كلَّ زمن؛ وإلّا، فالحياةُ تَشَرْنُقٌ على الذّاتِ، تَكَرتُنٌ على ماضٍ نريده لا يزول، ونعمل على أن يمتدَّ وينسحبَ على كلِّ جيلٍ، ما يخالف قانون الطّبيعة، وتَفَتُّحَ الذّهن الدّائم، مع الأيّام والعصور. فغيرُ المثقَّفِ يُقيمُ في الماضي، مُعَرقِلًا نموَّ الحياة، مُقيِّدًا لها بحبالِ التقاليد والعاداتِ الّتي يكون الزّمن غَرْبَلَها، فلم يُبقِ منها إلّا القليلَ الحيَّ الحاملَ بذورَ التَّجَدُّد. إذًا، فالثّقافةُ تَأصيلٌ للأصولِ، وانطِلاقٌ منها، مُتَفَرِّعٌ، مُغنٍ، يُغني ويُفيد.

       وما البيئةُ الحاضِنة!؟

       هي بيئةٌ لا تحيا، إنّما تكتفي بالعيش. البيئةُ الحيّة هي الّتي تحتضن المواهبَ الجديدةَ. تجعلُها المُحتضِنة المُحتضَنة في آنٍ. هذا الاحتِضانُ، هنا، يوجِّه، يُطلِقُ، يَدفعُ إلى اقتحام المُغامَرات في سبيل التَّجَدُّدِ الحاضِّ على التّجديد. أمّا البيئةُ المكتفِيَةُ بالعيش، فتهرِسُ النّظَرَ إلى المستقبل، أي الرّغبةَ في تجاوز، ليس الماضي، فحسب، بل الحاضر المغايرَ، ومن ثمّ المستقبلَ، والّذي يكونُ، تالِيًا، مغايِرًا لهذا المستقبلِ المُغايرِ الجديدِ المُتَجَدِّد. لا ثبات للحيّ، لا جُمودَ للحياةِ. ألعيشُ؟ أمرٌ آخر. هذا الأمرُ الآخَرُ، نَخْرٌ للذّات المستقبَليّةِ. تَقْويضٌ لها. إقامةٌ مطمئنّة، مكتفِيةٌ، كافية. ما يُخَدِّرُ، ما يُعيب.

       ألبيئةُ الحاضِنةُ، هذه، تتصرّف على أساس أنّها الفاهمةُ، الحسنةُ الفَهْمِ. وأنّها على صَوابِ رأيٍ ورؤيةٍ ورؤيا. فتعمل على المواجهةِ، وتَحَدّي الآخرِ المختلِف. وتعتبرُه خارجًا على الإجماع، على الأصيل. تعتقد أنّ الإجماعَ حقٌّ يجبُ الخضوعُ له، والعملُ بموجبِه، والبقاءُ في عباءتِه. كما ترى أنّ الأصيلَ هو الأوّلُ، الكاملُ، إذًا، المِثالُ الثّابتُ الواجبُ اتّباعُه، والبناءُ عليه. في هذه الحال، لا يكون الجديدُ إلّا جديدًا زمنيًّا، لا فِعْليًّا. مثلُ هذا "الجديدِ"، ليس جديدًا. إن هو إلّا قديمٌ في كلام مُنَمَّقٍ يُراد له أن يكون جديدًا عاملًا على التَّجديد، وهو أمرٌ صارخُ الخطإ، واقعٌ في حتميّة التَّقَوقُعِ. كلّ تَقَوْقِعٍ انكفاء. كلُّ انكِفاء انحسار. انطفاء. موت.

       وشخصيّةُ الشّاعرِ، أو الكاتبِ، عاملٌ، هو الآخرُ، مُهِمٌّ، في هذا المجال. وهي شخصيّةٌ، إمّا انكفائيّةٌ، منطويةٌ، مكتفية؛ وإمّا تَفاعُليّةٌ، انفِتاحيّةٌ، طَموح.

       الأولى متعَبة، تعيش كآبةَ مِزاج، تشاؤمَ حالٍ. ألمكتئبُ المتشائمُ بعيدٌ عنْ فرحِ المشارَكة. يعيش صاحبُها على هامش الحياة، على هامش الفنّ المتجدِّد. يكتفي بتراثه. بـ"محفوظات ذاكرتِه"! محفوظاتُ الذّاكرة، مجرَّدُ "معرفةٍ تَراكُميّة". تبقى، هذه، منطفئة، هشّة، لا يُعتَدُّ بها، ولا يؤخَذ، لا تتحوّل إلى أيّ نوعٍ من الثّقافة. والثّانيةُ فرِحةٌ، منفعِلة، متفاعلة؛ إذًا، هي واثقةٌ، مُريدةٌ، قويّة. إذًا ناضجةٌ واعية. ألشّخصيّةُ الأولى تتآكل، تسيرُ إلى الوراءِ، إلى الهاويةِ، إلى الاندثار. ماذا يبقى، اليوم، ممّا سُمِّيَ بالتُّراثِ، إلّا القليلُ المُضيءُ السّابقُ عصرَه! والشّخصيّةُ الثّانيةُ تتفتّح، يومًا بعد يومٍ، تُصَفّي ذاكرتَها، تختار المُشرقَ منها. ألمُشرِقُ يستمرُّ مُشرِقًا في المستقبل، لأنّه، أصلًا، ابنٌ للمستقبل بما فيه من رؤى. كم صمد من شعر القُدامى!؟ كم سيصمد من شعر المعاصِرين!؟ 

       أمّا القُدرة، وسمّها الموهِبة، إن أنتَ شئتَ، فقوّةٌ فطريّةٌ تساعد على الإبداع. ألذّاكرةُ، هنا، "تحفظُ". ولكن، ما الحفظ، ما قيمتُه، ما دورُه!؟ ببساطة صريحة وواقعيّة، لا شيء. ليس للحِفْظ قيمة. هو يحوّل صاحبَه إلى "بَبَّغاء" تكرِّرُ، تُردِّد، ما يجرِّد من القيمة، وتاليًا، لا دور للذّاكرة الحافظة! وتعني القدرةُ أن يستطيعَ صاحبُها تحويل محفوظاتِه إلى ثقافةٍ شخصيّة، عَبْرَ الفَهْمِ والتّحليلِ والتَّنَخّل. فأن يفهمَ المرءُ ما "يحفظ"، ويحلّل، و يتنخَّل، يعني أنّه "حوّل" ما اكتسب إلى شخصيّته، فما فَهِمَه وحلّله وتَنَخّله، بات يصدر عنه كأنّه منه وله. ما يوحي إلى قدرته. وهذه القدرةُ، قوّةٌ داخليّةٌ تُسهِمُ في التّركيبِ، في البناء، في التّخييلِ، في التَّصوير... فالبعضُ كثيرُ قدرةٍ، والبعض قليلُها. ما يؤسّسُ لجودة وتجديدٍ، أو لتَمَثُّلٍ وتقليدٍ.

       والقدرةُ قدرات. فقدرةٌ تفكير، وقدرة منطق، وقدرة خَلق، وقدرة تجديد، وقدرة تَخَيُّلٍ... وهي تتفاوت بين واحدٍ وآخر. ويلزم القدرةَ رغبةٌ. ألرّغبةُ في الشّيءِ، إيمانٌ به، والإيمان بالشّي، نصفُ الطّريقِ إلى إتمامه! بخاصّة إذا ما كانت مقترنة بالقدرة.

       تبقى الإشارة إلى الخيال، وهو أنواعٌ كثيرة، نتوقّف عند ثلاثة منها. فهو إمّا مُقارنٌ، ويتّصفُ به الجميع، لأنّه يتّكئ على الذّاكرة. وإمّا مؤلِّفٌ، يتّصفُ به الكثيرون، فهو يستندُ، في غالبه، إلى الذّاكرة والواقع. وإمّا خَلّاقٌ مُبدِعٌ، لا يتّكئ إلّا على نفسه وقوّته وقدرته وغِناه وخصبِه...

       ألنّوعُ الأوّل يبقى في حدود ما هو مادّيّ واقعٌ تحت الحواسّ، وفي إطارها، يُوضح ويُفْهِم أكثر ممّا يوحي. والثّاني يمزج المادّة بالمعقول، ما يجعله أرفعَ من سابقه، يوحي قليلًا من دون عميق تأثير. أمّا الثّالثُ، فبعيدٌ عن المادّة، ينطلقُ من التّصَوُّر، من التّجريد، وتأتي صُوَرُه غنيّة، منوَّعةً، بعيدةَ التّأثيرِ، عميقة الإيحاء. ألتّأثير والإيحاء أمران أساسيّان في فنّ الأدب، يجب ألّا يغيبا. هما يُخصِبانه بالوِجدانيّة، يُلهِبانه بالعاطفة، بالبَيانِ يُوَهِّجانِه.

       وعلى هذا الأساس، نرى أنّ الذّاكرةَ، إمّا مُبدِعة، عند مَن يتّصف بمثل هذه الصّفات المهمّة المميِّزة، وإمّا تأريخيّة تسجّل المحفوظَ. ولا شكّ في أنّ الأدبَ إبداعٌ لا حِفظ. للجميع ذاكرة، إلّا أنّها ليست إبداعيّةً دائمًا، وعند الجميع. فقد نجد شاعرًا ذا ذاكرةٍ إبداعيّة مرّة، ولا نجده كذلك، مرّة أخرى، لذلك نختبر تَفاوُتًا، في أحيانٍ غيرِ نادرةٍ، بين قصيدةٍ له، وقصيدة. والأمثلةُ وافِرة. فكيف نرى إلى شِعرنا المعاصر من هذه الزّاوية، وإلى تحديثه، من خلال الشّاعر الياس أبو شبكة؟

ألسّبت 12/7/2014

بين الذّاكرة الإبداعيّة والذّاكرة التّأريخيّة في الشِّعر العربيّ المعاصر

إلياس أبو شبكة نموذجًا

(1/3)

 

 

 
   
 

التعليقات : 0

 

   
 

.