3

:: هل شعر اللغة المحكيّة في خطر؟ ::

   
 

التاريخ : 15/01/2016

الكاتب : إياد قحوش   عدد القراءات : 1406

 


 

 


تزداد قناعتي يوماً بعد يومٍ أن نصف الشعر موهبة ونصفه الآخر "صناعة".

أما الموهبة فهي هبةٌ تنمو كبحيرة ماء في باطن الأرض، إلى أن تتفجّر نهراً دافقاً يسير بحريّة في البراري محترماً تضاريس الطبيعة، حيث يكمل طريقه قاطعاً المسافات الطويلة إلى أن يلتقي مع باقي المواهب الإنسانية في بحر الجمال الذي لا يمتلئ أبداً.

يشعر صاحب الموهبة بضيقٍ عندما يحاول كبت الشعر في أعماقه ويكاد يشعر بالإختناق إن لم يطلق لسجيّته العنان حيث يصبح الشعر حريّة الشاعر اللامتناهية، ويصبح الشاعر سجين عالم الشعر الواسع.  

الشعر أيضاً يقدّس الشاعر لأن الشاعر الشاعر يحاول أن يكتب مالم يقله "السر الكبير الجالس فوق هذا العالم" ولأن الشاعر مُلزَم بما يكتب فهو تلميذ مجتهد في مدرسة قصائده. أنا مثلاً لا أستطيع أن أكتب شعراً عن المحبة وأن أعيش ملوّثاً بصغائر الحياة.

الموهبة إذاً نسيمٌ نقيٌّ دافئٌ ينفخ في ناي الجسد صوت البحث عن المطلق.

ولكن هل تكفي الموهبة لتكون شاعراً؟

قبل أن أجيب على هذا السؤال يخطر في بالي سؤال آخر: كم من الناس الذين عاشوا على هذه الأرض منذ البدء يملكون موهبة الشعر ولم يصبحوا شعراء؟ أعتقد أن عددهم قد يزيد عن عدد شعراء العالم بأضعاف.

الموهبة وحدها لا تكفي، و"الصناعة" في الشعر لا تقلّ أهمية عن موهبة الشعر ذاتها. وما أعنيه بالصناعة هو أن تمرّ القصيدة "النيزك" الآتية من مكان ما في هذا الكون على "آلة العقل" فتدوّر زواياها، وتُحفّ النتوءات فيها، وتُصقل سطوحها، فيُضاف إليها من روح الزمان والمكان، وتُغسل من دم الولادة لتخرج جوهرة ثمينة، لامعة، وناصعة تشعّ في القلب كأنها صلاة الغفران الأخيرة.

إذاً إن ما يميز الشاعر الشاعر إضافة للموهبة الشعريّة الحقيقيّة هو إتقانه لصناعة القصيدة، والصناعة فنّ أيضاً، وتحتاج لموهبة الصناعة لكي تحافظ القصيدة على تلقائيتها ونقاوتها فتبدو طبيعية كماء المطر وعارية كالصوت الأول وكأنها لم تُمسّ.

أعود للسؤال: هل شعر اللغة المحكيّة في خطر؟

الحقيقة أن الخطر يداهم كل جمال حقيقي وليس الشعر المحكي فقط.
برأيي المتواضع تكمن صعوبة الشعر الحقيقي في فكِّ لغز العلاقة التكاملية والضرورية بين عفوية الموهبة الشعرية واندفاعها للإنطلاق في فضاء الروح الرحب وبين إتقان فنِّ "صناعة " القصيدة، وفنُّ "صناعة" القصيدة هو النصف الأكثر خطراً على الشعر في زمن العالم الافتراضي المفتوح على تبجيل الكم لا النوع.

أيها الشعراء: كونوا مَهَرة، فالمواهب الشعرية كثيرة ولكن النجاح الكبير سيكتب لأصحاب موهبة "صناعة" القصيدة.

 

 

 
   
 

التعليقات : 0

 

   
 

.