3

:: لماذا أقرأ؟ ::

   
 

التاريخ : 26/12/2015

الكاتب : إيلي مارون خليل   عدد القراءات : 798

 


 

 

              بين ما من أجله أقرأ، أكتفي، الآن، بالآتي:

              أنا أقرأُ لحُبّ الاكتشاف.

              ألاكتشافُ، بالنّسبة إليّ، عمليّةٌ تُشقي وتُسعِد وتؤدّي إلى نتيجة. كيف ذلك؟

              إنّها عمليّةٌ تُشقي، لأنّها تُتعِبُ وتُخيف.

              تُتعِبُ لأنّها تستمرّ، لا تستقرّ! أبحث، دومًا، عن جديد مُغْنٍ مفيدٍ، لأقرأه بتَمَعُّنٍ وإدراكٍ. مثلُ هذه القراءةِ لا تُريح. إنّما هي تُتعِبُ، تُشقي، تُتلِفُ. تُتعِبُ الفِكرَ العينَين؛ تُشْقي النّفْس الرّوح؛ تُتلِفُ الأعصابَ الوقتَ. قبل أن تقرأ، عليك أن تبحث عمّا تقرأه. كلُّ بحثٍ جِدّيّ مُضْنٍ. لن تقع على ما تَوَدُّ بسهولة. لا "يَفوش" أمامك إلّا "الخَفيفُ". "ألخفيفُ" لا تطلبُه، أنت! هو لا يُفيد، بل يؤذي! كيف يؤذي!؟ يهدرُ وقتَك مرّتَين: وأنت تفتّشُ، لا يُفارقُ وجهَك؛ وأنت تقرأ، لا يُفيدُك في شيء. لا يحمل إليك جديدًا مُغنِيًا مُفيدًا. وقد تُنَقِّبُ أيّامًا، أو أسابيع، لتحظى بما أنت ترغب فيه. وهيهات.

              وهي عمليّةٌ تُخيف! فأنت تَخشى ألّا تقعَ على ما أنت، بشَغَفٍ، تبحثُ عنه. وتستقرّ على الاستمرار في البحث والتّنقيب. فأنت تُثابر. تُثابر خائفًا، متشكِّكا. ألمُثابَرةُ تُضني، لكنّك تأمل بالوصول. أمَلُكَ، هذا، إيمانٌ بأنّك تُقاربُ النّجاحَ. تعرفُ، أنت، أنّ إيمانَك بطموحِكَ، طريقُ نجاحِك! لذلك يَقترنُ الطُّموحُ بالإيمان. ومحاولات الاكتشافِ تُخيف، بعدُ، لأنّ الفشلَ مُخيف. فأنت، حتمًا، تخافُ الفشلَ، فتُضاعِف عملَك. تضاعفُ أوقاتِ بحثِك وتظلّ تخشى أن تفشل. عدمُ الخوف قد يوقِعُ في الغرور، وهذا يقود إلى الإعجاب بالذّات، الّذي هو نتيجةُ الشّعور بالاكتفاء. ألاكتفاءُ بالمعرفةِ، دربُك الصّريحُ إلى الفشل.

              والاكتشاف يُسعِد. هو يُضيف إلى معارفك جديدًا، يُضيفُ الجديدَ المُثري المُفيد. كلُّ جديدٍ مُثْرٍ، يُخصِبُ الفكرَ الإحساسَ العاطفة الخيال. يوسّعُ الآفاق، يُضيئُها، يلوّنُها. ما يفجّر فيك فرح الاكتشافِ ولذّتَه، ما يشجّع على المُثابرة والمحاولات المستمرّة وصولًا إلى الأغنى. وهذا قد يُثير، عند الآخرين، الرّغبةَ المشوّقة للمساهمة في الاكتشاف.

              وهذا الجديدُ يُفرِحُ السِّوى. كيف؟

              يوصِل إليه الجديدَ من دون مَشَقّة. تصلُ إليه الأمورُ الجديدةُ المفيدة بشكلٍ ينشرِحُ له الصّدرُ، وتنفتحُ شَرايينُ القلبِ، ويتّسع الخيال، وتخصب العاطفة، وتُشرَع آفاقُ الفكر، ويَغْنى المَدارُ الإنسانيُّ، ما يوحي إلى الأبعد الأجمل، ويؤثّر في الذّات والآخر، ويُسعِد النّفسَ والرّوحَ بعفويّة عميقة، وبساطةٍ صادقة.

              ويُفرِح الإنسانيّة، ويرتقي بها، ويُنير عتَماتِها. فحين يسعَد الفرد، تسعد العائلةُ، فالمجتمعُ، فالوطنُ، فالكونُ كلُّه. وعلامةُ السّعادة، في هذا المجال، هي الشُّعورُ بالامتلاءِ، بالمعرفة، بالارتقاء. أوَليس هدف ــ أهدافُ المعرفةِ أن نشعرَ بالسّعادةِ، نتيجة اكتشافِ الجديدِ المفيد الّذي يؤدّي إلى التَّطوُّر والتّجدُّد والارتقاء العلميّ الاجتماعيّ الثّقافيّ الحضاريّ وعلى كلّ صعيد؟

              ويُساعدُني هذا الاكتشافُ على اكتشاف قدرتي على الاكتشاف. فأنا، حين أتناول كتابًا مهمًّا وأقرأُه، أحاول اكتشاف ما فيه، من خلال الألفاظ وما بينها، من خلال المعاني والصّور وما بعدها. وبقدر ما أتوصّل إلى ... أكتشف قدرتي أو عدمها. فأنا، كقارئٍ، عليّ أن أكون جِدّيًّا ورصينًا، لأعرف مدى قدرتي على التّوَصُّل إلى "الاكتشاف". فإنّي أعرفُ، عميقًا، أنّ القراءة "اكتشافٌ" لقُدرتَين: قدرةِ الكاتب، وقدرة القارئ! وقد تكون قدرةُ القارئ أبعدَ من قدرة الكاتبِ، ما يُسِرُّ الكاتبَ المثقَّفَ نفسَه!

              وعليه، فالقراءةُ طريقٌ إلى "الاكتشاف". فأنا أقرأ لأكتشفَ هاتَين القدرتَين.

              فمَن يُهديني كتابًا!؟

ألسّبت 26/12/2015     

         

 

 

 
   
 

التعليقات : 0

 

   
 

.