3

:: في ذكرى ميلاد والدي ::

   
 

التاريخ : 13/11/2015

الكاتب : د. أحمد الخميسي   عدد القراءات : 876

 


 

 

في 13 نوفمبر تحل ذكرى ميلاد والدي عبد الرحمن الخميسي الخامسة والتسعون، وفيها أنفرد بنفسي لحظات لأقول له:" كل سنة وأنت طيب". وأظن أننا جميعا نقوم بذلك مع آبائنا الراحلين، بغض النظر عما إن كانوا قد تركوا أثرا كبيرا في الثقافة والمجتمع أم لا، ذلك أن الأثر العظيم لكل أب أنه كان في حياة أبنائه الوالد الذي لا يتكرر. ويحق لي أن أقول إن والدي كان نسيجا فريدا في حياة مصر، بحياته التي اتّسعت للسّجن، والهجرة، والتشرّد، والشّعر، والحبّ، والإبداع، وخلال ذلك كانت "كل الفنون ملعبه" على حد قول أحمد بهجت. بدأ شاعرا في الأربعينات، ثم أصبح من أبرز كتاب القصة القصيرة، ثم مذيعا ذا صوت عميق لافت، وممثلا مسرحيا وسينمائيا، ومخرجا، ومؤلفاً موسيقياً، وصحفيا، ومترجما، بعد أن عركته الحياة منذ أن ترك المنصورة إلى القاهرة عام 1937 فاشتغل مدرّسا وعاملا في محل بقالة ومحصِّل بطاقات في الترام ومصحِّحا في مطبعة ومؤلِّفَ أغنيات بأسماء الآخرين.. ينام على كراسي المقاهي أو على أرائك حديقة الأزبكية من دون أسرة أو عائل أو دعم.

 

وتندرج حياة الخميسي في دفتر كبير يضمُّ صفحات من حياة الفلاحين المصريين الذين جاؤوا من عتمة القرى البعيدة إلى أنوار العاصمة ليشعلوا مصباحا آخر في الثقافة والفنون، هكذا كانت سيرة حياة رفاعة الطهطاوي، وطه حسين، وعلى مبارك، وغيرهم.

ترك الخميسي لنا سبع مجموعات قصصية، ونصوص فرقته المسرحية التي ألّفها وجاب بها المحافظات، وثلاثة أفلام سينمائية من إخراجه، وعرَّب أوبريت "الأرملة الطروب" بحيث تتطابق كلماته العربية مع النص واللحن الأصليين، وكتب ثلاثة أوبريتات، وترجم مجموعات من القصص والقصائد، ووضع عدة مقطوعات موسيقية، وعشرات التمثيليات والأغنيات، وعدة دواوين من الشعر العذب. وعلى حد قول الكاتب أحمد هاشم الشريف فإن حياة الخميسي هي "قصة عبقرية الفلاح المصري التي نضجت على نار الحرمان والمعاناة، وقصة العاصفة التي هبّت من الريف. وحينما رحل الخميسي ترك لنا الأوراق محتفظا بالقلم اللاهب الذي كان يشيع الدفء في الأكواخ ويضرم النار في القصور".

وقد عاش والدي وتوفي من دون أن يشغل منصبا رسميا واحدا في الدولة، وقد لاحظ الشاعر الكبير أحمد حجازي أن الخميسي قبل الثورة لم يهد كتابا من كتبه لأحد الوزراء أو المسؤولين، وكانت تلك عادة منتشرة بين كبار الكتاب حينذاك، أما بعد الثورة فقد كانت له قصة رواها الكاتب صلاح عيسى حين أراد شعراوي جمعة وزير الداخلية حينذاك أن يقنعه بالانضمام للتنظيم الطليعي الذي أنشأته الحكومة فاعتذر الخميسي ضاحكا بقوله: "لكن هذا تنظيم سري، وأنا لا أطيق كتمان الأسرار، وقد تفلت مني كلمة هنا أو هناك تؤدي لاعتقال أعضاء التنظيم"! ثم هاجر من مصر مع موجة هجرة المثقفين بعد اتفاقية كمب ديفيد، وظلّ يردّد عبارته التي سجلها الكاتب الكبير أحمد بهاء الدين: "لقد دافعت عن قيثارتي فلم أعزف ألحاني". وعلى كثرة ما كتب وأبدع لم أر له أبدا مكتبا يجلس إليه، فقد كانت له طبيعة الطائر الذي يعرف أن الاستقرار على غصن يجعله عرضة للموت.

كل سنة وأنت طيب ياطائر الشعر والقلق الجميل. مازال صوتك العميق يغرد في الضمير.   

أحمد الخميسي. كاتب مصري

 

 

 
   
 

التعليقات : 0

 

   
 

.