3

:: وداعا جمال الغيطاني ::

   
 

التاريخ : 23/10/2015

الكاتب : د. أحمد الخميسي   عدد القراءات : 959

 


 

 

 

أنعى إلي نفسي قبل الآخرين جمال الغيطاني.

 

برحيله تغرب قطعة غالية من العمر، وأسمع في الأجواء أجراس مركبة جيل الستينات تؤذن بالوداع، وفرسانها يهبطون منها واحدا بعد الآخر. دخل جمال المستشفى في المرة الأخيرة فكنت أستحضر وجهه وأتمنى لو استطعت أن أرجّه من كتفيه بقوة وأصيح فيه: "أفق. إياك أن تغادر"! وأسأل نفسي: أكان يمكن أن يبقى لو أنني رجوته البقاء؟.

ينظر الجميع إلى جمال بصفته روائيا قاصّا ثم كاتبا سياسيا يتّفقون أو يختلفون معه. أما جمال بالنسبة لي فكان صديق السنوات التي لم نكن نملك أي شيء على الإطلاق سوى الأحلام ونحن نمرُّ على سور الكتب بالأزبكية نشتري مجلة أو كتابا. ونحن جالسين نأكل من صحن واحد مع والديه وأخيه اسماعيل أو مع أخوتي في بيتنا.

نشأ جمال في منطقة فقيرة، ولم يكن في أسرته أو بيته ما يسوقه إلى الأدب. سألتُه ذات مرة عمّا جذبه إلى ذلك العالم فقال: "لا أدري. كنت أسير بجوار سور كتب في الأزهر ومددتُ يدي إلي كتاب، ثم لم أنقطع عن القراءة والكتابة".

بدأب وبإصرار فولاذي صنع جمال نفسه من لا شيء. معا نشرنا أولى قصصنا بمجلّة القصة وكان جمال في نحو العشرين من عمره وأنا أصغر منه بثلاثة أعوام. اتجهنا إلى مقرّ المجلة وطلبنا من أحد الموظفين مقابلة الأستاذ ثروت أباظة، فنظر إلينا الرجل ووجدنا نحيفين لا تبدو علينا لا كتابة ولا قراءة، فمضى إلى حجرة أباظة وسمعناه يقول له: "فيه أولاد صغيَّرين عاوزين يقابلوا حضرتك"! ونشر أباظة القصتين في العدد ذاته في أبريل 1965. تعرّفنا إلى بعضنا البعض عن طريق والدتي وكانت تعمل في دار الكاتب العربي (هيئة الكتاب) حين جاءها ذات يوم صبيٌّ في السادسة عشرة يحمل- على حد قولها- جوالا من القصص للنشر، فأشفقتْ عليه من الإحباط وقالت له: "أنا كمان عندي ابن من سنك تقريبا بيكتب قصص تعالَ البيت عندنا لتتعرفا"! جاء جمال ذات مساء، خجولا متهيّباً، مشبعاً بالود وبابتسامة طيبة. فيما بعد كتب جمال عن ذلك قائلا: "السيدة الرائعة شفيقة جبر لعبت دورا هاما في حياتي، بل يمكن القول إنّ تعرُّفي إليها كان نقطة تحول حقيقية. في البيت تعرفت إلى أحمد الخميسي وربطتني به علاقة أخوية حميمة حتى فرّقت بيننا ظروف الحياة، أما والده عبد الرحمن الخميسي فقد ساعدني في حصولي على أول وظيفة عملت بها بعد تخرجي".

في بيتنا تعرف جمال إلى مجموعة من أصدقائي الذين كانوا يدرسون مع عمي في الجامعة، ومنهم الكاتب المعروف صلاح عيسى، وكان البيت أشبه بصالون أدبي تتردّد في أجوائه القصائد والقصص والأغاني من المساء حتى الفجر. ومن بين الجميع كان جمال وحده صديق سنوات الصبا والآمال الكبار الساذجة والطموح البكر. باعدت ما بيننا ظروف الحياة إلى أن عدتُ أنا من روسيا فعرض علي أن أكتب في أخبار الأدب التي ترأّسَ تحريرها. وعلى مدى عشر سنوات تقريبا لم يمنع لي جمال سطرا واحدا مما كنت أكتبه، وكان معظم المقالات – ما عدا الأدبية والنقدية - معارضا بوضوح لنظام مبارك وسياساته. في صبانا كنا نتجول معا في شوارع وسط البلد نغني "الدنيا ليل والنجوم طالعة تنوّرها".

الآن، لا يبقى لي سوى أن أتطلع إلى النجوم العالية علني ألمح نور ابتسامته الطيبة من وقت لآخر، وتلك السنوات التي لا تعود.

أحمد الخميسي. كاتب مصري

 

 

 
   
 

التعليقات : 0

 

   
 

.