3

:: أجمل لغات الأرض ::

   
 

التاريخ : 23/09/2015

الكاتب : الدكتور إياد قحوش   عدد القراءات : 6266

 


 

 

 

يقدّر عدد اللغات التي ينطقها الناس على هذا الكوكب بالآلاف، وإن كان عدد الذين يتحدثون بعض اللغات لا يتجاوز الآلاف أو عشرات الآلاف أحيانا.

وكثيرا ما يتبادر إلى أذهاننا السؤال التقليدي عن أجمل لغات الأرض. وهو سؤال صعب إن لم يكن من المستحيل الإجابة عليه لأسباب كثيرة أهمها أنه لا يوجد شخص واحد ضليع بكل لغات العالم وقادر على المقارنة الصحيحة بين كل هذه اللغات المتقاربة أحيانا والمتباعدة أحيانا أخرى.

المقارنة الصحيحة لا تعتمد على عدد الناطقين بلغة ما، ولا على ما قدّمه الناطقون بتلك اللغة للإنسانية، أو على قوة الدول التي تستخدم تلك اللغة وإن كانت هذه الأمور بطريقة غير مباشرة دليلاً أحيانا وليس دائما على أن تلك اللغة مميَّزة وتحمل صفات مكنّتها من البقاء.

من المهم هنا أن أذكّر أيضا أننا لا نستطيع أن نُدخِل في حلبة المنافسة تلك اللغات التي انقرضت أو ذابت في غيرها من اللغات لأسباب تاريخية أو لأسباب غير معروفة.

من أهم الأسئلة التي تخطر في البال ونحن نبحث عن أجمل لغات الأرض هو كيف نقيّم جمال اللغة؟ أو ما هي الإعتبارات التي نستند عليها في بحثنا عن اللغة الأجمل؟ وكم هي مهمِّةٌ معرفةُ قواعد اللغة وأسرارها قبل النطق بالحكم؟ وهل من المعقول أن يتقن المرء لغة ثانية كلغته الأصلية ليقوم بالمقارنة الصحيحة؟ وهل سهولة أو صعوبة تعلّم اللغة عاملٌ أساسي في التقييم؟

الأجوبة على هذه الأسئلة صعبة وشائكة وتحتمل النقاش الطويل.

لكي نختصر الحديث ولكي نصل إلى نتيجة مقبولة لابدَّ من النظر فقط إلى اللغات الحية، المكتوبة، والتي لها قواعدُ وأسسٌ، والتي تنطُقها شعوبٌ كبيرة كاللغات الأوربية المشتقة من اللاتينية والآسيوية والشرق أوسطية.

السؤال عن أجمل اللغات هو سؤال شائع في العالم الجديد لكثرة القادمين الجدد ولتنوع الجاليات المختلفة الأصول جغرافيا ولغويا ولسهولة المقارنة نسبيا إذ يوجد في هذا الجزء من العالم عيّنات من جميع بقاع الأرض.

يَعتبِر الكثيرُ من الناطقين بالإنكليزية في أمريكا الشمالية أن اللغة البرتغالية أكثر اللغات رِقَّةً وعذوبةً على السمع من بين اللغات التي لا يفهمونها. بينما لا يستسيغون لغات الشرق الأوسط لأنها تبدو خشنة إذ فيها الكثير من الأحرف التي تخرج من داخل الحلق.

كثيرون أيضا يجدون اللغة الألمانية ثقيلة وفظَّة، ويتّفق معظم الناطقين بالإنكليزية أن اللغة الروسية توحي بالغلاظة أيضاً.

بينما يعتبر البعض الآخر في أمريكا الشمالية أن اللغة الإيطالية هي أجمل لغات الأرض ويبرّر البعض انحيازهم للغة الإيطالية بجمال لكنة الإيطاليين عندما ينطقون الإنكليزية على عكس لكنة الهنود والباكستانيين، بينما يقول البعض أن كثرة الأحرف الصوتية في الإيطالية ولاسيما في نهاية الكلمات هو سبب سحرها (ألبرتو، بون جورنو.. تو يامو..).

لاشكَّ أننا نجهل جمال اللغة التي لا نعرف، ولاشكَّ أن كل إنسان يعتبر لغته الأصلية اللغة الأجمل. فلا أظن الصينيّ ومهما كان ناطقا جيدا للإنكليزية سينحاز لها على حساب اللغة الصينية والعكس صحيح. وينطبق هذا الأمر على بقية اللغات فالإسباني سيصوت للإسبانية واليوناني سيختار اليونانية وهكذا.

إذن فاللغة الأجمل عندك هي لغتك أنت، اللغة التي تتحدث بها في أفراحك وأحزانك. هي لغة البيت. واللغة التي يحبها قلبك ويفكّر بها عقلك. هي لغة لسانك التي تعلَّمتَها من أمّك والتي هي اللغة الأم.

ولكن ماذا عنا نحن وماهي لغتنا الأم؟

نحن في هذا الشرق الضّارب في عمق التاريخ والمتشابك بين قومياته المتعدّدة والمتنوّعة نتكلّم اللغة العربية الفصحى في المحافل والمناسبات الرسمية ونكتبها في جرائدنا وكتبنا وهي لغة نحبُّها ونعتزُّ بها وبجمالها ولكنها ليست لغة البيت التي  نتعلّمها من الأم بل نحتاج أن نذهب إلى المدرسة لكي نتعلمها.

إذا ما علاقتنا باللغة العربية إن لم تكن اللغة الأم؟

برأيي العربية هي لغتنا الأب. نعم الأب. هي لغتنا الرسمية التي نؤرّخ بها ونحفظ فيها معاهداتنا ووثائقنا وندون فيها الحساب والجغرافيا والتاريخ والفلسفة ولكنها ليست لغة البيت.

نحن في هذا الشرق نستعمل في البيت لغة أخرى، هي لغتنا أيضا، لم نستوردها لا من محتلٍّ ولا من عدوٍّ ولا من غريب.

اللغة المحكيّة هي اللغة الأولى، كانت قبل اختراع الكتابة وبقيت ولن تموت.

اللغة المحكية هي اللغة الأم ولا تحتاج لمن يدافع عنها، ولا لمن يؤطِّرها أو يسجنها في قواعد صلبة وقاسية لأنها نحنُ وتتطوّر معنا كلما تطوّرنا.

ربما علينا أن نفتخر بأن لنا أكثر من لغة وأننا نتقن اللغتين معا وهما الأب والأم لأفكارنا وأحلامنا ومعهما نعيش في أسرة الشرق الجميل في رضى عفوي مع الواقع ووئام لا شعوري مع الذات ومع المحيط الذي لا يستطيع أن ينفصل عن التاريخ والجغرافيا.

 

ملاحظة:

هذا النص ليس موقفاً سلبياً من الآراء الوطنية أو القومية أو الدينية وإنما محاولة لقراءة الواقع.

 

 

 

 
   
 

التعليقات : 0

 

   
 

.