3

:: السوري العظيم .. خالد الأسعد ::

   
 

التاريخ : 04/09/2015

الكاتب : د. أحمد الخميسي   عدد القراءات : 1059

 


 

 

في المشهد السوري الكثير من الصور الفاجعة: أطفالٌ يموتون على الحدود من البرد والجوع. مهاجرون يلفظون أنفاسهم داخل شاحنة مغلقة على حدود النمسا. دمارٌ يقوّض كل شيء ولهبٌ يمسك بأطراف البيوت والشجر. لهاثُ مستنجدين بالغربة من الوطن. لكن ثمة صورة صغيرة لموت رجل عجوز تكثّف المعنى المشترك بين الصور كلها، إنه الصراع بين البرابرة والحضارة. هي صورة عالم الآثار العظيم خالد الأسعد الذي بذل حياته كلها في فهم تاريخ الحضارات القديمة وإتقان لغاتها وصون آثارها. تدخل عصابة "داعش" إلى تدمر، المدينة التي صنّفتها اليونسكو ضمن آثار الإنسانية، وتطالب خالد الأسعد أن يفشي لها أسرار مواقع الكنوز الأثرية، فيرفض، فيقطعون رأسه وهو في الثانية والثمانين من عمره، كما قطعوا في فبراير منذ عامين رأس تمثال أبي العلاء المعري في معرّة النعمان، ورأس تمثال طه حسين في المنيا، لكنهم هذه المرة يفوزون بالرأس حيا يتطاير منه دم وليس شظايا حجر! تتأمّل ملامح العالِم العجوز المهذّبة ونظرته المستقيمة، وتتساءل: ترى ماالذي خطر له في لحظاته الأخيرة؟ هل آمن بأن الحضارة كلها تتجسّد الآن في شخصه، عزلاء، أمام البرابرة؟ أن عليه مهما حدث ألا ينهار، ألا يضعف، ألا يستسلم، لأنه الكلمة الأخيرة في فم الإنسانية؟ أم تراءت له طوابيرُ الشهداء الذين شنقهم السفّاحُ التركي جمال باشا عام 1915؟ أم صورة غسان كنفاني كاتبا مقاتلا؟ أم ومضت في خياله سيوفُ الثورة العرابية التي انكسرت عند الغزو ولم ينطفئ نورها إلى الآن؟ هل لاح أمام عينيه وجهُ الشاعر لوركا الذي كتب: "كيف لهذا الموت أن يحدث تحت ضوء القمر؟" وأعدموه بالرصاص في 1936؟ أم أن الوقت أسعفه فقط ليستصفي من الذاكرة المضطربة ضحكات أحفاده الصغار؟. الآن، لن نعرف أبدا الكلمات الأخيرة التي تبادلها السوري العظيم مع البرابرة، كما أن أحدا لم يعرف أبدا كلمات سقراط الأخيرة حينما خيّروه بين الموت أو التنكر لأفكاره فاختار الموت دفاعا عن الحياة.

إن انتشار عصابة "داعش" وتضخمها وحجم معدّاتها وتنظيمها ومصادر تمويلها يطرح  السؤال التالي: هل حقا تعجز واشنطن عن معرفة كل ذلك أو شيئا منه وهي التي أظهرت قدرةَ تجسُّسٍ مدهشة حتى على الهواتف الشخصية لرؤوساء الدول الأوربية؟! أم أن واشنطن تعلم وتموّل وتحتاج داعش وتصمت؟ في هذه الحال هل أننا نواجه بربرية داعش حقا؟ أم أننا نواجه همجية ووحشية القرن الحادي والعشرين بكل تطوره في سياقه الرأسمالي الأمريكي؟. أظن أنه آن الأوان لكي ندرك أن البربرية والهمجية هي صناعة اليد التي تحرّك الدمية من وراء الستار، ثم تلعن الدمية في العلن! ذات مرة قال تشرشل رئيس الوزراء البريطاني: "أخشى أن نعود إلى عصر الكهوف على أجنحة العلم الحديث". وهذا ما يخطط له الغرب الاستعماري.

أما خالد الأسعد فإننا نحتسبه في النور الذي نشره طه حسين، وعبد السلام العجيلي، وقاسم أمين، ونجيب محفوظ، وغيرهم من مصابيح الثقافة والحرية والإبداع، وبذلك النور سترد سوريا وشعبها كل أمواج الظلام عن أرضها وحضارتها.      

أحمد الخميسي. كاتب مصري

 

 

 

 
   
 

التعليقات : 0

 

   
 

.