3

:: يوسف القعيد.. الشعب والثقافة ::

   
 

التاريخ : 24/06/2015

الكاتب : د. أحمد الخميسي   عدد القراءات : 821

 


 

 

 

 في يوم الجمعة 12 يونيو نشرت إحدى الصحف تصريحا للكاتب الروائي يوسف القعيد يقول فيه إنه من مصلحة مصر تأجيل الانتخابات البرلمانية لحين "وصول الشعب المصري لدرجة من الوعي والثقافة". لكن ألم يكن الشعب على درجة كافية من "الوعي والثقافة" حين أطاح حكم الإخوان في 30 يونيو، وعلى درجة كافية من الوعي والثقافة أهّلته لانتخاب السيسي؟ فما الذي حدث لهذه الدرجة "من الوعي" بحيث صارت قليلة فجأة على أبواب الانتخابات البرلمانية؟! التصريح المذكور جاء خلال لقاء مع القعيد في برنامج "مصر في ساعة" وأثار في الذهن  تصريحات تاريخية مماثلة وأخرى حديثة منها تصريح د. أحمد نظيف في عهد مبارك بأن الشعب غير مستعد للديمقراطية، ثم كرر اللواء عمر سليمان العبارة ذاتها من بعده. وإذا نحّينا الجانب السياسي من الموضوع وانتبهنا إلى الشقّ الثقافي منه، سنجد أن ثمّة فهما غير صحيح لما يسمى "الوعي والثقافة" لدي الشعب. فالغالبية العظمى تفهم الثقافة على أنها قراءة الكتب، ومشاهدة الأفلام، والاغتراف من ألوان اللوحات، والتفرُّج بالمسرح، والإحاطة بالمفاهيم السياسية الحديثة وغير ذلك. إلا أن للثقافة والوعي جانبا آخر مرتبطاً بخبرات الشعب التاريخية في البناء، ومواجهة الطبيعة، والغزوات، وكبار الطغاة، واستخلاص الحكمة من كل ذلك. ومن هنا يُراكم الشعب ثقافته في الأدب الشعبي، وفي الأمثال التي يقول فيها "من عمل ظهره قنطرة يتحمّل الدّوس"، كما يُراكم الشعب ثقافته في السير الشعبية مثل أدهم الشرقاوي وفي الأغنيات التي تهدّد بها الأمهات أطفالهن، وفي الحكايات الشعبية. قد لا يقرأ الشعب روايات جابريل جارسيا ماركيز، أو حتى نجيب محفوظ، وقد لا يكون مُلمّا بمفاهيم مثل الديمقراطية السياسية والتعدّدية الحزبية، لكن ذلك لا يعني على الإطلاق أن درجة "وعي وثقافة" الشعب قليلة، بل يعني فقط أن للشعب طريقه الخاص إلى الثقافة الذي يختلف عن طريق المطبوعات والمرئيات. وحين يردّد الناس قولهم "ما خاب من استشار" فإنهم يرسّخون تصوُّرهم عن الديمقراطية، وحين يردّد الناس "يافرعون إيه فرعنك؟ قال لم أجد من يردّني"، فإنهم يرسّخون بطريقتهم الخاصة ثقافة الحرية والوعي بضرورة المقاومة. وقد أثبت الناس في كل المنعطفات التاريخية أن وعيهم وثقافتهم على أعلى درجة، حينما تصدّوا للعدوان الثلاثي عام 1956، وحين انتفضوا لمحو آثار نكسة 67، وحين بذلوا التضحيات الباسلة في حرب أكتوبر، وحين أطاحوا بحكم الإخوان الرجعي في 30 يونيو.

من ناحية أخرى فإن هناك أشكالا متعددة للوعى، هناك الوعي القانوني، والوعي الفني، والوعى السياسي، والوعى الأخلاقي، وغير ذلك. وقد لا يكون الشعب على درجة عالية من الإحاطة بتلك السبل والطرق، لكن ذلك لا ينفي أنه على أعلى درجة من "الوعي والثقافة".

أخيرا ، فإن كل أشكال الوعي لدي الجماهير الواسعة محكومة ببوصلة لا تخطىء، هي مصلحة الناس والوطن.

والآن نسأل: هل يساعد تأجيل الانتخابات على تطوير وعي الشعب؟ أم أن دخولها مرة بعد أخرى هو الذي يساعد على تطوير وعي الناس بالتجربة السياسية؟ وإذا كان الناس على درجة هزيلة من الوعي والثقافة فلماذا لا يكون السؤال هو: من المسؤول عن تقييد الجماهير بسلاسل الجهل والأمية؟

 

أحمد الخميسي – كاتب مصري

 

 

 
   
 

التعليقات : 0

 

   
 

.