3

:: نريد مليونية لخلع الفقر في مصر ::

   
 

التاريخ : 15/04/2015

الكاتب : د. أحمد الخميسي   عدد القراءات : 959

 


 

 

 

دعا أحد الصحفيين المصريين إلى مليونية تخرج في الأسبوع الأول من مايو القادم تقوم فيها مجموعة من الفتيات بخلع الحجاب خلال تظاهرة عامة بميدان التحرير. هكذا تتحول المليونيات إلى شكل القضايا وليس جوهرها. فالحجاب بداية قناعة شخصية، ترتديه أو تخلعه من تشاء وفقا لقناعاتها، كما أن البنطلون قناعة شخصية والمايوه البكيني أيضا. ومن الفظاظة أن نتدخل في قناعات الناس التي تزول أو تتطور على ضوء عوامل كثيرة أهمها توفير العمل والصحة والسكن والعلاج والتعليم للناس. ويظل الحجاب والأزياء عامة موضوعا شخصيا لا يحق لأحد التدخل فيه خاصة في شكل دعوة لمليونية تؤدي بشكل أو بآخر لإرهاب الآخرين معنويا.

بهذا الصدد هناك حادثة شهيرة عندما التقى عبد الناصر بمرشد الإخوان عام 1953 وطلب منه المرشد أن يلزم النساء بلبس الحجاب، فقال له عبد الناصر بالنص: "أنا في رأيي كل واحد في بيته هو اللي ينفذ هذا الكلام"، أي أن الموضوع شخصي.

نحن ضدَّ أن يفرض الإخوانُ الحجاب على أحد، وأيضا ضدَّ أن نفرض خلع الحجاب على أحد. كما أن الحجاب ليس قنبلة، ولا سلاحا مخزونا في قبو منزل، أو مخططا سريا لعملية إرهابية. إنه قناعة شخصية. من ناحية أخرى فإن طرح قضية الحجاب باعتبارها قضية جديرة بـ"مليونية" في ميدان التحرير يحيل الصراع الاجتماعي إلى اتجاه آخر مزيف، الاتجاه نحو الأزياء، والأخطر من ذلك أنه يحيل القضايا الاجتماعية عامة إلى مجرى قضايا الخلافات الدينية. ويفتح باب النقاش ليس حول قضايا مصر الحقيقية بل حول ما إن كان الحجاب حلالاً أم حراماً؟ سنّة أم فرضاً؟ إلى آخر التساؤلات التي لا تنتهي. وبذلك فإننا نشغل مصر عن قضاياها الملحة بقضايا أخرى موهومة. مشكلة مصر الحقيقية هي الفقر، وكان الأجدر بنا الدعوة لمليونية لخلع الفقر. ففي ظلّ الفقر وحده تطلُّ بقوة كل الأفكار الرجعية الخاصة بوضع المرأة والفن والتقدم، كما تختفي هذه الأفكار في ظلّ قدْر ولو بسيط من العدالة الاجتماعية والتصنيع والنهوض بالزراعة وتوفير فرص العمل والتعليم والعلاج والسكن. ووفقا للأرقام الرسمية يوجد في مصر أكثر من ثلاثين بالمئة من المواطنين يعيشون تحت خط الفقر، وهو خط فقر مصري غير خط الفقر الأوروبي المرفّه، خط فقر قاس وموحش. كما أن مشكلة مصر هي البطالة التي أقرّ بها إبراهيم محلب حين قال إن حكومته "تواجه العديد من التحديات، أهمها البطالة، التي بلغت نسبتها 13.6%، إضافة إلى مشكلة الفقر".

مشكلة مصر ليست الحجاب ولا البلوزة ولا البنطلون ولا الجونلة، لكن الجوع الذي تعاني منه الملايين، وأطفال الشوارع الذين وصل عددهم لأكثر من مليوني طفل يتعرّضون للاستغلال والاغتصاب والإجبار على الجريمة، هذا في الوقت الذي احتلت مصر فيه حسب تصنيف مجلة فوربس السنوي المركز الأول عربيا من حيث عدد المليارديرات بعدد ثمانية مليارديرات، يملكون 22.3 مليار دولار. مشكلة مصر هي نهب مواردها لصالح قلة قليلة تُعَدُّ على أصابع اليد الواحدة. هذا في الوقت الذي يشير فيه الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء إلى أن نسبة الفقر المدقع بلغت 4.4% من السكان. لافتًا إلى أن أعداد الفقراء في مصر تتزايد سنويًا بشكل مستمر، وأن النسبة الأكبر من الفقر تقع في الصعيد، حيث لا يحصل 49% من سكان ريف الوجه القبلي على حاجاتهم الأساسية من الغذاء.

أخيرا أقول لمن يعتبر أن "خلع الحجاب" رمز الثورة والتحرر إن معظم النساء اللواتي خرجن للإطاحة بحكم مرسي والإخوان كنَّ من المحجّبات!!

كنت أتمنى أن يدعونا البعض إلى مليونية لخلع الفقر، ومليونية لخلع الشباشب البلاستيك التي يجوب بها أطفال الفقراء الشوارع لعجزهم عن شراء أحذية، ومليونية لخلع الجوع، أو مليونية لخلع الفوارق المرعبة في الدخول، أو خلع التعذيب من أقسام الشرطة والمعتقلات، أما الحجاب فليس مشكلة مصر، ولا هو مشكلة فقرائها، إنه مشكلة مكاتب توريد الخدمات الفكرية للأنظمة الحاكمة التي تقدّم للنظام معركة يلهي بها الناس عن حاجاتها الحقيقية. معركة ترتدي ثوبا عصريا! وإذا كان البعض يتخيّل بحسن نية أن في مثل تلك الدعوات دعوة للتنوير، فإنه ما من تنوير يمكن القيام به أقوى وأصدق من القضاء على الفقر والجوع.

ومادام البعض يموت من التخمة حاشيا فمه بالمليارات والغالبية العظمى تموت من الجوع فسوف تخرج كل ألوان الظلام الفكري والاجتماعي شاهرة علينا كل ما يقع بين يديها.

***

أحمد الخميسي. كاتب مصري

 

 

 

 

 
   
 

التعليقات : 0

 

   
 

.