3

:: "في رحاب الأخوين رحباني" - هديَّة هنري زغيب ::

   
 

التاريخ : 12/03/2015

الكاتب : أنطوان سيف   عدد القراءات : 1185

 


 

       العبورُ إلى عالم الأخوين رحباني يؤول إلى رحابٍ "وسْع المدى" لا تخوم لها. عانى هنري زغيب عنوان كتابه. جالَ من أجله في سراديب المعاجم والذكريات والإبداعات الشعرية المعبِّرة. حامَ وحارَ واستوضح واستشار، وعاد بعد التطواف إلى عنوانه الأوّل: "في رحاب الأخوين رحباني". وأزعمُ أنّه ما ساح إلاّ ليرسّخ "الرحاب" على كل ما عداها، بلورتها رحلتُه البحثية أكثر ممّا كان لها من حظوةٍ في البدء، لقرابة لغويةٍ موسيقية خفية بين عبارتَي "الرحاب" و"الرحابنة"، يشفعها مدى الرحاب الذي يربأ بالحدود والمواصفات المسبقة بألف حجة حضور.

 

       إلاّ أنه، وهو اللصيق بهذا العالم الرحباني والمتفرِّد بالكثير من مخبوءاته التي مرادفاتُها لا كينونتُها العارية تدفع إلى الظهور في ثنايا القصائد والأشخاص المسرحية والحوارات والمصطلحات التي، كعلماء الجبر، يعرف كيف وأين يضع على كل همسةٍ قيمتَها، لم يتخلّص، مع ذلك، من قلقه في أن يكون لِوُلوجه وقعُ اقتحام يصاحب في ثناياه الكثيرَ من التعامي عمَّا لا يجوز طمسه، وما لا يمكن إلاّ أن ينزلق خارج مستطاعه: ظلَّ وعيُه مسنوناً في التبصُّر بفكرة "الرحاب" اللامحدودة غير القابلة المصادرة. عرفَ حجم المساحات التي لا يعرفُها من عوالم لعاصي ومنصور تجسدت وتماهت مرةً واحدة وإلى الأبد في صوت فيروز كينونةً واحدةً دخلت التاريخ بثلاثـــيَّــتها الأقنومية، أي بوجودَها المبتَدع، وبات تخيُّلُ تجزئتِها اعتداءً على جوهرها.

       في هذه المفارقة التي لم تبارح وجدانَ هنري زغيب، وطلباً للتمامية والنزاهة المنهجية الاكاديمية، انسحب إلى إعلان منطق قياس "السلب"، قياس "ليس" و"لا"، وقبله استخدمَه الفلاسفةُ وأهلُ الميتافيزيق لمقاربة المطلق الذي ليس هو "كذا" ولا "كذا"، ولا سبيلَ إلى ذكر ما ينفي لاستغلاقِ الكلامِ على قول ما هو، فكانت فاتحةُ كتابه على النحو التالي: "هذا ليس كتاباً عن سيرة الأخوين رحباني بالمعنى البيوغرافي التقليدي، وليس نشراً شعرَهما كاملاً وتراثَهما، ولا تحليلاً أعمالَهما، ولا دراسةً فنهما الكتابي أو اللحني، ولا إسقاطاً دقيقاً منعطفات سيرتهما على نتاجهما الفنّي... وليس فيه منهج توثيقي يجعله أكاديمياً". وهذا المنطق كان في القديم يشي، من غير أن يُعلن، بمحدودية اللغة وأرضيَّتِها (أو حتى خطيئتِها الأصلية، كما وصفَها برغسون، في معاشرة الأشياء المحسوسة قبل أن تدَّعي وتزعم معاقرةَ ما لا مادة فيه!). إلاّ أن الشعراء، وهنري زغيب منهم، كما موضوعه، كانوا أعرفَ بهذه الحقيقة فجرَّدوا الأشياءَ باللغة وألغَوا معجميةَ حدودها، فكيف وأنتَ في حضرةٍ كبيرةٍ ضاعفت هذا "البارادوكس" باللحن والأغنية والمسرح؟ لذا يعترف المؤلفُ بمكانٍ "رحبٍ" لكثيرين غيره من المؤلفين في فنّ الرحابنة (وهم ليسوا تحت عنوان كتابه) بل سيظهرون "ذات يوم نأمل ألاّ يطول" كما يقول ويسارع إلى الإكمال: "ومتى سيأتي هذا اليوم يكون هذا الكتاب خميرةً".

       ولكن ماذا يكون هذا الكتاب فعلاً عن الأخوين رحباني، من رحبانيٍّ بامتياز، لا ما لا يكون فحسب؟ هو "خميرةٌ وثقى" تُضاف إلى  الدراسات الرحبانية، و"خميرةٌ خيِّرة" لمن سيأتي يوماً. وهو كتابٌ "دعوةٌ إلى رحاب العالم الرحباني، مفتاحٌ للدخول إليه، ضوءٌ على الطريق إليه...".

       لهذا العمل الجميل والدقيق عنوانان: سيرةُ الأخوين رحباني كما رواها منصور لهنري زغيب على حلقات (وهنا يكون الكاتبُ في موقعٍ فريد من هذا الموضوع غيرِ قابل للاستبدال)، وعرضُ قصائد وحوارات للأخوَين بحرفــيّــتها تصلح وثيقةً تامة، وهذا عملٌ رائدٌ بموثوقيته للبحوث والدراسات.

       وعانى المؤلف خصوصاً لا من الشعر بل من الموسيقى وهو ليس من خبرائها: قدّمَ تقطيعاً صعباً ورائداً لقصيدة الأغنية. وهذا أيضًا عملٌ بارعٌ وغيرُ مسبوق وقابلٌ الجدل. إلاّ أنّ في الموسيقى ميزاناً آخر لا يُحسِن الكلامَ فيه إلاّ أهلُها الكبار، ومَن امتهنَ منهم النقد.

       في "رحاب الأخوين"، وفي هذا الكتاب بالذات، كنتُ أحبُّ مطالعةَ بعضٍ من مواقفهما، أكتفي منها باثنين:  

       1) برقية محمَّد عبد الوهاب من القاهرة إلى أنطلياس للتعزية بعاصي. قرأْتُها عياناً وفيها: "جبال لبنان الشامخة تنحني إجلالاً وحِداداً وأسفاً على الفنان عاصي الرحباني. كان أول من فتح أبواب المدنيَّة والنور على الموسيقى والغناء العربيَّين". ولم أَرَ أيَّ أثر لهذه البرقية في الإعلام، إلاّ ما ذكرتُه عنها وعن مضمونها في احتفال الجامعة الأميركية في بيروت بمناسبة أربعين عاصي وبمشاركة منصور عام 1986!

       2) غداةَ وفاة أم كلثوم صرّح رياض السنباطي: "منذ سيّد درويش لم تعرف الموسيقى العربية أيَّ تجديد في طابعها الشرقي، باستثناء ما قام به عاصي ومنصور الرحباني: جديدٌ وجميل لم يَفقدْ صلته بتراثه المشرقي".

       هذا بعضٌ من "الخميرة" السابقة، "الخميرة" ذاتها التي دعتنا للكشف عنه، ومؤشر ربَّما لما سيأتي يوماً.

       "في رحاب الأخوين رحباني" لـهنري زغيب سِفرٌ رحبانـيٌّ بامتيازٍ، فيه من أثر هذه "الخميرة" ما يجعله، بفرادته، غيرَ قابل للتجاوز وللنسيان.

___________________________________________________

*) كلمته في افتتاح الندوة التي أَدارها باسم الحركة الثقافية - أنطلياس (وهو أمينها العام هذه السنة)، حول كتاب الشاعر هنري زغيب "في رحاب الأخوين رحباني"، وشارك فيها الوزير السابق جورج سكاف والصحافي رفيق خوري، وقرأَ خلالها هنري زغيب قصائد من الشعر الرحباني.

 

 

 
   
 

التعليقات : 0

 

   
 

.