3

:: الصبي الذي يأكل الماء - قصة قصيرة ::

   
 

التاريخ : 15/02/2015

الكاتب : د. أحمد الخميسي   عدد القراءات : 1412

 


 

 

 

خرجت من العمل ظهرا وأنا أشعر بالجوع. كنا في أغسطس ولا رغبة لي في السير في الحر بحثا عن مطعم. قصدت أول عربة فول صادفتني عند ناصية الشارع. كان المعلم واقفا بجلباب تتدلى من وسطه فوطة متّسخة وهو يحشو أنصاف أرغفة مفتوحة أمامه بالفول. طلبت منه رغيف فول. حرك قدرة الفول بكبشة ذات يد طويلة. اغترف شوية ووضعها في طبق صاج صبّ فيه خلطة من البهارات والليمون. دعك الفول بشوكة وناولني رغيفا. أعطيته جنيهين. من منتصف الشارع ظهر صبي في نحو التاسعة يمشي نحونا في ظل العمارات ويده على رأسه من سخونة الشمس. كان مرتديا فانلة رخيصة ملونة وبنطلون قصيرا وفي قدميه شبشب بلاستيك مترب. أقبل علينا. دفع إلى المعلم بجنيه ونصف الجنيه، وغمغم  بصوت خفيض:" نص فول ونص ميه". مال بعنقه على ناحية وهو يحك شعر رأسه بأظافره. لم أسمع من قبل عبارة" نص ميه"، فلم أفهم المقصود بها. مد المعلم يده للصبي بورقة من صحيفة بها الرغيف. أخذها الصبي وسار مبتعدا ثلاثة أمتار. استند بظهره إلى صندوق قمامة وأخذ يلتهم الرغيف. حرصت ألا يعلو صوتي وأنا أسأل المعلم:" ماذا يعني بنص فول ونص ميه؟". التفت الرجل إلي بلحم وجهه الغليظ: "الجنيه يشتري نصف رغيف فول. نصف الجنيه يشتريى نصف رغيف من الماء". تساءلت مدهوشا: "ماء؟". قال: "الماء الذي يدمَّس فيه الفول". وقفت اللقمة في حلقي. قلت لنفسي: "لقد كتبتَ قصصا عن الحب والقلق والغربة والزمن. إليكَ قصة عن صبي يأكل الماء. أيمكنك أن تكتبها؟". لازمتني عدة أيام في صحوي ومنامي صورة صبي بعينين واسعتين وجبين عريض يأكل الماء. أرى الصبي أمامي لكني لا أعرف حكايته. أتصور أنه قد ينمو بالماء مثل الزهور وفروع الشجر، أو أنه سيذبل من الجوع في عتمة أحد الكباري أو تحت  جدار جراج سيارات. رحت – إلى أن أجد طريقة لكتابة القصة– أجمع بعض المعلومات، فوقعت تحت يدي وثائق أقدمها كما جاءت في الصحف.     

 

وثيقة أولى – محيط - 5 ديسمبر 2007

- "أكد تقرير الأمم المتحدة للتنمية البشرية لهذا العام أن نصف ثروات مصر تحت سيطرة 1% من الأغنياء،  بينما بلغت نسبة الفقراء ما يقرب من 55% من الشعب".

 

لنقل إن اسم الصبي الذي يأكل الماء عزّت. يسكن في بشتيل إحدى مناطق الفقر في الجيزة. توفيت أمه مبكرا، فتزوج والده من امرأة ضاقت بالصبي فألحّت على زوجها أن يعهد به إلى أخيه صاحب ورشة الكاوتش. قالت له: "منها الولد يخِفّ الحمل عنّا ومنها يتعلم صنعة". فجأة وجد عزت نفسه في بيت عمه. غريبا. لا يشبع من الطعام ولا من النوم، يوقظونه كل يوم فجرا، فيمضى خلف عمه إلى الورشة، ويبقى هناك حتى يحلّ المساء. يرفع الكاوتش ويفكّ العجل ويأتي بأطباق الكشري لعمه ساعة الغداء. تعلم حتى الكشف على العجلة إن كانت مثقوبة أم لا. أحيانا تهدأ الحركة ولا يظهر زبون. يسرح ببصره مع العيال التي تلعب في الجهة المقابلة من الشارع. يتذكر أمه. يثب فجأة ويتجه لكي يلعب مع الأولاد. لطمه عمه على وجهه بيده الثقيلة مرة واثنتين. قال له: "أنت جاي للشغل مش للعب. أنت خلاص بقيت راجل. تقعد في الورشة تفتّح عنيك". منذ أيام نادى عليه عمه ولم يسمعه من بعيد، فاتجه إليه وجذبه من الشارع وهو يضربه. هدده منذرا: "حلّل لقمتك يا ابن الوسخة وإلا أرميك في الشارع. أنا عندي عيال كفاية". ليلة بعد ليلة ينام عزت على الحصيرة تحت بطانية في الصالة. يحلم طول الليل بالهروب. لكن إلى من؟ إلى أين؟

 

وثيقة ثانية – تقرير للجهاز المركزي للاحصاء - 1 يناير 2010

"في تقرير الجهاز المركزي أن هناك مليوني طفل فقير في الشوارع بلا تعليم ولا طعام يكدحون في مختلف الأعمال الشاقة، يعيشون في المقـابر والعشش والجراجات والسلالم والمساجد".

 

ليلة أمس قرّر عزت أن عليه أن يهرب مهما كلفه ذلك. لم ينم. ظلّ يتقلّب تحت الغطاء خائفا من عالم كبير مجهول، ليس له فيه أحد أو عنوان يقصده. تذكر أن له خالا اسمه حسين قهوجي في شبرا. قبل أن تموت أمه بزمن اصطحبته في زيارة إليه. أيا كان لابد من الهرب والنجاة إلى مكان يشبع فيه نوما وطعاما. مدّ بصره في العتمة إلى فرجة باب الحجرة الوحيدة حيث ينام عمه وزوجته. الساقان الأطول البارزتان من تحت اللحاف عمه محمود. ناحية الباب زوجته وابنته ملتصقتان. ينصت لأنفاسهم. عمُّه متستغرق في النوم. ينبح كلب في الخارج نباحا غريبا ثم يسكت. يدفع عزت البطانية بقدميه. ينهض محاذرا أن يصدر أي صوت. يرتدي التريننج الأحمر والشبشب البلاستيك. يتجه إلى دورة المياه. يخرج من ورقة ملفوفة مخبأة جنيهين ونصف الجنيه من بقشيش العمل. يسير إلى الباب على أطراف أصابعه. يفتحه ببطء. يخرج ويغلق الباب ببطء. يستدير إلى الزقاق ودقات قلبه تتسارع. تغوص قدماه في طين الزقاق وبرك مياه الصرف الصحي. يمضي عدة خطوات في غبشة الفجر. يلتفت خلفه. لا أحد يتعقبه. لم يستيقظوا إذن. يجري إلى الشارع الرئيسي المرصوف وهو يبكي.

 

وثيقة ثالثة – جريدة الاتحاد 14 مارس 2012

"من بين المرشحين الثلاثمائة لمنصب الرئيس  لصٌّ تائب يدعى محمد رشاد قال خلال برنامج "مصر الجديدة" إنه أهلٌ لتولي منصب الرئاسة بعد تنحية مبارك. وصرّح بقوله إن الجريمة لا تفيد".

 

وصل عزت إلى الشارع المفضي إلى ميدان الجيزة. مدّ الخطى في الهواء البارد نحو الميدان وهو يحدث نفسه " أجد خالي وأبقى معه. وذات يوم سأشترك في نادي شباب ألعب الكرة. أخرج من النادي بطقم رياضي وحذاء كاوتش أبيض  تتأرجح على كتفي حقيبة رياضية بحمالة. أمشي وألتقي بالمصادفة بأحد عيال بشتيل. ينظر إلي ويقول مندهشا "ياه.. أنت تغيرت قوي ياعزت"! وسيندم عمى ويقول لزوجته" إحنا ظلمنا الولد ده".. أحكم قبضته على الجنيهين ونصف الجنيه وهو يقترب من الميدان.

 

وثيقة رابعة  – جريدة الشروق – 10 مارس 2014

 أظهرت قائمة مجلة " فوربس" الاقتصادية الثلاثاء 4 مارس أن مجموع ثروات رجال الأعمال المصريين بلغ  3, 22 مليار دولار بارتفاع أربعة مليارات دولار عن العام الماضي رغم  الأوضاع التي عاشتها مصر بعد  يناير 2011"

 

أحسّ عزّت الجوع الشديد من سيره طويلا. توقّف أمام كشك سجائر. سأل البائع "أروح شبرا إزاي ياعم؟". أجابه الرجل: "اطلع قدام شوية. سترى أتوبيسات كثيرة واقفة. إسأل هناك". قرص الجوع عزت وهو يمضى إلى حيث أشار الرجل. قرصه الجوع أقوى هذه المرة. اتجه إلى عربة فول. أعطى المعلم جنيها ونصف جنيه. قال له "نص رغيف فول ونص رغيف ميه". ناوله المعلم الرغيف في ورقة. كان ثمت رجل أنيق واقفا يأكل على مهل يتأمل عزّت، فمضى الصبي بالرغيف بعيدا قليلا. استند إلى صندوق قمامة وأخذ يلتهم الرغيف. فرغ من الأكل. مسح فمه بالورقة وألقاها على الأرض. اتجه إلى موقف الأتوبيسات. ركب وأعطى المحصل جنيها ورجاه "والنبي ياعم لما تيجي شبرا قل لي". أجابه "لما الناس كلهم ينزلوا تبقى دي شبرا". يقف الولد يرتج بجوار امرأة بدينة. تذكر أمه. لماذا ماتت مبكرا؟. لم تكن الحياة سهلة مع والديه لكنه كان يشعر أنهما يحبانه. إبنهم أيا كان. يتوقف الأتوبيس. يهبط الركاب. ينزل الولد إلى الشارع. يتلفت حوله. شبرا كبيرة جدا. أين خاله هنا؟

 

وثيقة خامسة - صحيفة القدس العربي 10 ديسمبر 2014 

"أشارت صحيفة الجارديان في وقت سابق إلى أن ثروة عائلة حسني مبارك تقدر بنحو سبعين مليار دولار تمّ تهريبها للخارج".  

 

توقف عزت عند المقاهي واحدة واحدة. يسأل "خالي حسين هنا؟". يقول له أحدهم "لاء". يواصل السير. يمشي في شارع الترام. يرى عن يمينه ويساره عشرات الشوارع الجانبية. على أية حال لابد أن ينتهي من هذا الشارع أولا. بعد ساعتين شعر بأن رأسه يدور. وأن الجوع يقرصه ثانية بشدة لا تحتمل. جلس على الرصيف. نهض وواصل السير. رأى مخبزا تفوح منه رائحة الدقيق وتهب منه سخونة. الآن أحس أنه جائع بشكل وحشي. نظر إلى الأرغفة الساخنة مرصوصة فوق الجريد. تتلوى معدته. تلفت حوله. عاد ببصره إلى الخبز، ثم اندفع إلى هناك واختطف رغيفا، وجرى به إلى الأمام. لحق به أحد عمال المخبز. أمسكه من قفاه. لطمه على وجهه. ثم قاده صاحب المخبز إلى قسم الشرطة وحرّر له محضرا. 

 

وثيقة سادسة  – صحف مصرية 12 ديسمبر 2014

"طفل مصري شعر بالجوع فسرق 5 أرغفة من مخبز مجاور لمنزله، فحبسه القاضي لمده عام. الحادثة وقعت في مركز الفشن بمحافظة بني سويف. قال الطفل إنه شعر بالجوع ولم يكن لديه ما يؤكل فاضطر لسرقة الأرغفة". 

 

وقع بين يدي خبر هذه الحادثة الأخيرة وبجواره صورة الصبي. تأمّلتُ الصورة المنشورة، وخمدتْ رغبتي تماما في كتابة القصة.  

***

 أحمد الخميسي. كاتب مصري

 

 

 
   
 

التعليقات : 0

 

   
 

.