3

:: لبنة الإرهاب الأولى ::

   
 

التاريخ : 09/01/2015

الكاتب : فاطمة المزروعي   عدد القراءات : 720

 



 

 

 

التطرف صفة مذمومة وصفة مكروهة لدى العقول النقية الواثقة بقدراتها وعلومها، ومهما وجد في أي موضوع وفي أي من جوانب حياتنا، فالتطرّف صفة ممقوتة وغير أخلاقية، أقول إن أول ما يمكن أن نلاحظه عند نمو مثل هذه الظاهرة عند تبادل الآراء وظهور صوت قوي يضيق بالآخرين ويحاول إسكاتهم، هنا ندرك أن تطرف ذاك الفريق وصل لمرحلة مرَضية يجب أن تتم مكافحته ووضع حد له، بعيداً عن التشدق بمُثل الحرية والديمقراطية، لأننا شاهدنا جميعاً كيف تنمو هالات التطرف والحركات الأصولية الإرهابية، وكيف تتغذّى، وكيف تصادر آراء الآخرين وتكتم صوتهم، حتى وصلنا لمرحلة نشاهد الناس تقتل على يد هؤلاء لمجرد أنهم يختلفون عنهم في النظرة للحياة.

غني عن القول إن لغة الحوار والنقاش الحضاري الهادئ لا تسود ولا تنمو إلا في المجتمعات الأكثر تعليماً ورقياً، وهي بحق فضيلة يفتقر وجودها بل تنعدم عند تلك التيارات الإرهابية المرضية، تاريخنا الإسلامي زاخر جداً بدروس عن الحوار بين كبار العلماء وغيرهم ممن يختلفون عنهم في الآراء كلياً وليس اختلافاً جزئياً، بل هو اختلاف متعاكس تماماً، وفي قضايا جوهرية وأساسية، وعلى الرغم من هذا لم نسمع لغة التعنيف والإلغاء والإقصاء والإبعاد والتهديد بالقتل والسجن والجلد.

بين يدي قصة عن العالم الإمام أبي حنيفة أنه جلس يحاور بعض الملحدين – لاحظوا ملحدين – فقالوا له: في أي سنة وجد ربك؟ قال: إن الله موجود قبل التاريخ والأزمنة لا أول لوجوده. فقالوا: نريد منك إعطاءنا أمثلة من الواقع؟ قال لهم: ماذا قبل الثلاثة؟ فقالوا: اثنان. قال: وماذا قبل الاثنين؟ فقالوا: واحد. قال لهم: وما قبل الواحد؟ فقالوا: لا شيء قبله. قال لهم: إذا كان الواحد الحسابي لا شيء قبله، فكيف بالواحد الحقيقي وهو الله، إنه قديم لا أول لوجوده.. وبطبيعة الحال خرسوا تماماً.

ما أريد الوصول له من إيراد مثل هذه القصة – تعالى الله عز وجل عن سطحية المرجفين – هي سعة عقل وقلب عالم جليل في مقام أبي حنيفة، فلم يشتمهم ولم يصرخ ويهدد ويتوعد، على الرغم من أنهم يكفرون بوجود الله تعالى الله، لكنه أخذهم بالعقل والمعرفة، وجاءهم من منطقهم العقلي الصرف، وهذا هو الحوار وهذا هو النقاش، أما الشتم والتهديد والوعيد، فما هي إلا إشارات للتطرف والغلو، وهو مع الأسف ما قاد في نهاية المطاف لكل ما نشاهده في عالمنا الإسلامي من إرهاب وقتل وسفك للدماء البريئة.

 

 
   
 

التعليقات : 0

 

   
 

.