3

:: وراء الزجاج - قصة قصيرة ::

   
 

التاريخ : 01/01/2015

الكاتب : د. أحمد الخميسي   عدد القراءات : 1193

 


 

 

    صباح مشمس هادئ أواخر الربيع. زهور حمراء من بونسيانا تلامس مضمومة زجاج نافذة وتتهادى متفارقة للوراء. من على أحد الأغصان هبط عصفور صغير إلي حبل منشر ملابس. تأرجح به الحبل أمام النافذة العريضة بالطابق الثالث. تلفّت برأسه الرمادي الدقيق. ضرب الهواء بمنقاره يمينا ويسارا. حدّق بالصالة الممتدة وراء الزجاج. تحت النافذة أريكة ومقعدان ومنضدة. في الجهة الأخرى صوان عليه تلفزيون و"أباجورة" صغيرة. ثمة فتاة جالسة على الأريكة في سكون وحدها. نحيفة بقميص نوم برزت منه كتفاها العاريتان. دلّت قدميها حافيتين إلى الأرض وأحنت رأسها على كتاب مفتوح فوق ركبتيها. تقرأ وترفع حاجبيها مدهوشة. تضحك بنضارة. يتّقد لون وجهها النحاسي بلهب انفعال. ثمة جمال آسر لا تدري سرّه في حركاتها الدقيقة الرشيقة، في بسمتها غير المكتملة، في ارتجافة رأسها. كانت أشبه بعنقود فاكهة يفوح في كون صخري. يرنو العصفور إليها بفضول. تنعكس أشعة الشمس من الزجاج برقا في عينيه. يتزحزح يمينا بوثبتين. يظهر في الصالة شاب طويل القامة تلمع عيناه السوداوان. ترفع الفتاة رأسها مبتسمة. يهمس إليها بكلمة. يمدّ يده نحوها بعلبة صغيرة مكسوة قطيفة زرقاء. تمسكها وتفتحها بنعومة وحنان متأهّبة للمفاجأة. تقفز وتصرخ بنزق وفرح. تطوّق عنقه. يركع أمامها. يقلّب رأسه بين كفيها المفرودتين وفي عينيه دمع المحبة. يتبادلان النظر صامتين بعمق كأن كلا منهما يغرز روحه في الآخر ببطء. يقفان. يطوّق خصرها النحيل بذراعه. يتجهان إلى الداخل مثل نغمة تتدرّج بليونة من الروح لتتحقق على الوتر. الصالة شاغرة لكن في جوها حرارة من عشق. 

    قبض العصفور على الحبل بشدّة مأخوذا بما شاهده. انتزعته من استغراقه زقزقات من بين أوراق البونسيانا. هفت "كناري" على قلبه الذي يماثل بتكوينه قلب الإنسان. هفت بصدرها البرتقالي وجناحيها الأخضرين وخصلة الريش المهتزة بكبرياء خفيفة. تعرف إليها في أوائل الربيع الماضي. لمحها ذات صباح فصعد إلى غصن بارز خال من الأوراق لكي تبصره. أطلق صوبها زقزقة مغرمة. التفتت إليه خطفا. أشاحت برقبتها جانبا. بدا عليها التردّد والتفكر، ثم أنعمت عليه بتغريدة قبول تمزّق بعذوبتها حتى قلب فيل ضخم. نادرا ما تلوح "كناري" في سربهم، وهو مجرد عصفور دوري بسيط، لا بلبل صداح ولا عندليب متفاخر. أرسل صوته ثانية بحرارة أحسّت بها فرمقته بنظرة متراخية. شد عوده. بسط جناحيه. نشر ذيله يتموّج مروحة تحت بصرها، فابتسمت، وأخذت تتبختر على قدميها الصغيرتين. كشفت أمامه صدرها الملون. رنت إليه بدلال وكسل ثم رفرفت. طار وراءها من سماء إلى سماء. من ريح إلى ريح. من بستان إلى بستان. مازال يذكر كم مرة تبدلت حرارة الجو، كم مرة تغير لون الأفق. مازال يذكر تعب الجناحين وبهجة القلب. لا تنسى العصافير شيئا وتصون ذاكرتها الدروب في السماء. ثلاثة شهور لم يفارق "كناري" لحظة. ثلاثة أعوام، ثلاثة قرون لا يدري، إلى أن حلّ يوم دحرجت السماء إعصارها ورعدها فضاعت منه في انفجارات البرق وسيول المطر.

    خشخشت أوراق البونسيانا خلفه. كان تعب الذكرى قد غلبه فوثب إلى غصن تراصّت فوقه العصافير تنعس جنبا إلى جنب. سرعان ما هبط على جناحيه رذاذ خفيف. خامرته قبل أن يأخذه النوم رغبة كوخزة الألم الخفيف أن يدرك طبيعة ذلك الشعور الغامض العذب بالحب؟

*** 

 

    صحا بعد أقل من ساعة. لا تنام العصافير أكثر من ثلاث أو أربع ساعات. العاشقات ينمن أطول بعدة دقائق. فاحت في الجو رائحة مزيج من اختمار الأوراق الخضراء تحت قطرات المياه. نفض ريشه. استدار إلى صوت ذكر يقف على غصن يحذّر الذكور الأخرى من الاقتراب من عشّه. اشتدّت حرارة الشمس وصفت زرقة السماء. لابد من طعام وشراب. طار مع السرب جنوبا. وبقيت الأمهات وحدهن بين الغصون. تحت الأجنحة الصغيرة التي خفقت في السماء انزلقت إلى الوراء من دون توقف بيوت ومصانع وطرقات وكائنات، إلى أن غيّر أحد العصافير اتجاهه هابطا لأسفل فتبعه السرب مجموعة تلو الأخرى. بستان أخضر كبير تلمع بين أشجاره مياه برك صغيرة. تفرّقت العصافير تنقر الأرض والأعشاب وتتواثب عند حواف البرك. بعد قليل ارتفعت محلّقة إلى أعلى مسرعة إلى بعيد. لاحت أعمدة برق فهبط السرب إلى الأسلاك يقف مجموعات متجاورة. ترى ماذا جرى "لكناري"؟ أتكون الريح قد أضلّتها الطريق؟ أم أن الإعصار حطّم جناحها الرقيق؟ أم أنها في هذه اللحظة الآن في مكان ما، وعش ما، مع عصفور آخر؟

    هبّت ريح سوداء. ارتاعت العصافير في وقفتها على الأسلاك. ارتفعت تضطرب أجنحتها مفزوعة. أرعدت السماء ومن قلبها اندلعت ألسنة نار بلون أرجواني. هاجت قادمة من بعيد طيور أخرى. ومن البرق الملوّن وانكسارات الضوء خرجت كناري تخفق بجناحيها صوبه. عرفها على الفور من بين عشرات العصافير والحمائم المحلقة. تموج النار على صدرها البرتقالي وهي تندفع إليه كأنها معنى كل شيء. في عينيها الصغيرتين لهفة. تلهث وتنهال عليه بقبلاتها الصغيرة. هذه النزقة، المتغطرسة، العدوانية أحيانا، بمنقارها المتكبر، ترفرف الآن إلى جواره كأنما لم يفترقا لحظة. زقزق صارخا من حولها وفوقها غير مصدق. انجلت الظلمة وزالت حمرة الجو. تبادلا النظرات طويلا. آن الأوان ليقودها إلى البونسيانا. جناحا بجناح بلغا البونسيانا الحمراء معا واستقر معا على غصن واحد تأرجح بهما لحظة ثم هدأت حركته. راحت "كناري" تمشط ريشها بأناقة ورصانة. يعلم من قديم الزمن أنها تطلب الانفراد بنفسها حينما تتجمّل. تركها وهبط إلى النافذة يتطلع إلى ماوراء الزجاج. 

مازال نور الشمس يضيء الصالة. الشاب يذرع الصالة ذهابا وإيابا. يتوقف. يدفع يديه بعمق في جيبي سرواله الرياضي. يزم شفتيه. يكتسب وجهه تعبيرا صارما جافا. تظهر الفتاة. نظرتها مشتّتة ضعيفة. تمسك بيديها بظهر كرسي. تخاطبه بصوت خافت. لا يلتفت إليها. تنهار جالسة ترتجف وتبكي. تنهض. تتأرجح في مثل عشبة تستجمع قوتها في الريح. تمضي إلى الداخل. تعود. طبقة خفيفة من البودرة تغطي آثار دموعها. يخرج الاثنان من باب الشقة. حدّق العصفور بالصالة خالية مدهوشا، ماذا جرى؟ 

     طار إلى "كناري". يملي عينيه من وجهها. تؤرجح أمامه خصلة شعرها الأمامية بدلال وهي تكتم بسمة صغيرة. أي جمال هذا الذي تبعثه خصلة شعر تتأرجح بوعود غامضة؟. تدعوه برفرفة أن يفرحا معا باللقاء. طارا على ارتفاع منخفض. كانت السماء معتمة. واجهتهما غيمة وتراءى من خلفها مبنى ضخم وكنيسة وجامع وأشجار عالية ثم بحيرة صغيرة تلألأ ماؤها. هبطا وأخذا يحومان فوق سطح المياه. يهزّان رأسيهما. غطسا معا في المياه وخرجا متقابلين إلى الهواء يرقصان مبللين في منقار كل منهما عشبة هدية. يحفر الغرام القلب بصبر كما يصوغ الجواهري قطعة ألماس. تعبا من البهجة فرجعا إلى البونسيانا الحمراء. هناك راحت "كناري" ترتب عشها داخل تجويف تخيرته في البونسيانا. هبط هو يحدق بالصالة. كان الزجاج مغسولا بالمطر وعلى قاعدة النافذة رقدت خطوط فضية من ضوء القمر. الشاب راقد على الأريكة. تغطى إلى نصفه ببطانية. حينما اعتدل جالسا بان وجهه طافحا بالتوسّل والعذاب. وقف. تناول المحمول. صاح بصوت عال وشفتاه ترتجفان. مرّ وقت. اتجه الشاب إلى باب الشقة وفتحه. ظهرت الفتاة في سروال جينز أزرق وجاكيت بنفسجي محكم. رصينة حزينة. خاطبت الشاب بنبرة مريرة. ينصت وقد عقد يديه على صدره، وبدلا من الغضب والحنق السابق امتلأ وجهه الآن برجاء أخرس. فتحت حقيبة يدها. أخرجت مفتاحا والعلبة المكسوة قطيفة. وضعتهما على حافة المنضدة. استدارت وخرجت. مكث مكانه مذهولا لحظة، وجرجر قدميه ببطء إلى الداخل.

    ظل العصفور يتطلع في حيرة إلى الصالة. ترقب أن ترجع الفتاة لكنها لم تظهر.    انقضت لحظات معدودة وظهر الشاب وراء الزجاج. بدت النافذة في العتمة مثل نقطة نور قوية في محيط من الظلام. مكث واقفا يتطلع معذبا إلى نور القمر المتدفق.     

عاد العصفور إلى البونسيانا. كانت "كناري" نائمة في العش الصغير، صدرها يعلو ويهبط في نعاسها. رقد بجوارها لكنه لم ينم. أخذ ينصت إلى أنفاس الزهور الحمراء المتعانقة في الضباب الخفيف. إلى الرذاذ يقبل وجه الأرض، تنهّد فتاة فارقت وتحن، هسهسة نباتات في حقول، نهر يجذب لسطحه سحابة عابرة، شهيق الكون وزفيره من الفرح وشجن الإذعان. تغلب تعب الانفعالات على العصفور فنام بعمق.

***

 

مع حلول الخريف خلت صالة الشقة من الشاب المعذب ومن الأثاث. ظلت شاغرة مثل روح بلا بدن. في الربيع، صباح أحد الأيام، لاح وراء الزجاج  فتى وفتاة يروحان ويجيئان منهمكين في ترتيب المكان وتثبيت لوحات زيتية إلى الجدران. عندما فرغا أخيرا من وضع كل شيء في حيزه، توقفا أمام النافذة، وراحا يتأملان بدهشة وسرور خضرة البونسيانا المتدفقة.  

***

أحمد الخميسي. كاتب مصري

 

 


 

 

 
   
 

التعليقات : 0

 

   
 

.