3

:: "مذكرات البقاء" - حرفٌ من كتاب - الحلقة 199 ::

   
 

التاريخ : 13/12/2014

الكاتب : هنري زغيب   عدد القراءات : 796

 


 



       بقلمها المسنون على دقّة الملاحظة التفصيلية ومتانة الاحتراف الصحافي، أَصدرَت الكاتبة ماريا شختورة كتابها بالفرنسية "مذكرات البقاء" (Mémoires de survie) في 176 صفحة عن منشورات "لوريان لوجور" سنة 2007، حاملاً باقة مقالات كانت الكاتبة نشرتها خلال الحرب في لبنان بين 1977 و1984.

 

تساءلَتْ في مقدمة الكتاب عن الدافع لإِصداره: "هل لتسجيل الأَحداث خوف نسيانها؟ هل لعدم النسيان خوف العودة إِلى ما كان؟ هل لاستخلاص العِبَر من حربٍ خاضَها الآخَرون على أَرضنا؟ هل لتجنيب الأَجيال الجديدة أَخطاءَ الماضي؟ هل لأَنّ صفحةً جديدة انفتحَت في لبنان وانطوَت صفحة الحرب؟ أَم تُرى لجميع هذه الأَسباب معاً"؟

وأَعلنَت الكاتبة أَنّ تلك المقالات الشاهدة كتبَـتْها "في حمأَة المعارك، وأَحياناً تحت القصف، وبين الخطر والموت عند الإِعلان عن هُدنة هَشّة لـوقف إِطلاق النار". وهي مقالات رسمَت مصائرَ يوميةً لــ"ناسٍ طيّبين مساكين أَياً تكن انتماءَاتهم الدينية أَو الحزبية أَو المناطقية". وتعترف شختورة أَنها كتبَــتْــها صحافياً مدفوعةً بما لديها من "حُب الاستطلاع واستكشاف الشوارع والاستفسار من الناس الواقعين بين الخوف والغضب".

بهذا الدافع الصحافي التسجيلي اندفعَت ماريا شختورة تجوب وتجبي، من بيّاعي العربات على الروشة، إِلى بَوَار البضاعة في خلدة، إِلى حلقات البؤْس أَمام مبنى اللعازارية، إِلى يوميات الملجإِ في الحدث، إِلى تحدّي الخطر في بدارو، إِلى مشاهد مؤَثّرة في برج البراجنة، إِلى الكثافة السكانية في الشياح، إِلى قلب المعارك في عين الرمانة، إِلى ساحة الموت في السوديكو، إِلى مهمَّشات شارع المتنبي، إِلى جَرف الذاكرة في وسط بيروت، إِلى التناقض العجيب في الزيتونة، إِلى التجارة الرائجة في عين المريسة، إِلى العُزلة الموجِعة في شارع مونو، إِلى البؤْس الأَليم في مخيّم ضبيه، ...وتخلّل تلك اللقطاتِ الثاقبةَ مرورٌ في الجنوب المهمل وبعض مواقعه، وفي دير القمر، وانتهاءً في قبرص وما كان لها من تردُّدات نجمَت عن نزوح اللبنانيين إِليها، هَرَباً من الحرب في لبنان، فكانت منفىً اختيارياً تفتتحه يومياً جلجلةُ لارنكا بَــراً وجَــوّاً ومرفأً للدموع.

وبعدما نامت تلك المقالات سنواتٍ طويلةً على رفوف الأَرشيڤ بين صفحات الجريدة، وتوالى سقوطُ الشهداء من الرئيس رفيق الحريري إِلى باسل فليحان إِلى سمير قصير إِلى جبران تويني إِلى بيار الجميل، وجدَت الكاتبة أَنْ لا بُدّ من العودة إِلى المقالات ونَشْرها في كتابٍ يؤَرِّخ صحافياً وسوسيولوجياً لـعَبَـثية لفَّت بركانَ الحرب في لبنان، وقد تعودُ إِن لم نصدُم الجيل الجديد بواقع ما كان مثلما كان وبأَوجاع وأَهوال ما كان.

كتاب ماريا شختورة رحلةٌ أَليمة على خارطة لبنان، زمانَ كان لبنان ينزفُ من خاصرته ورأْسه وأَطرافه، أَهَـمِّــيَّــتُه أَنّ في صفحاتِه مشاهداتٍ شاهدةً على شُهودٍ وشهداءَ واستشهاداتٍ بعضُها مجاني والآخَرُ نبيلٌ في سبيل أَن يبقى لبنانُ الوطن واحةً حيَّةً لـــوطن المستقبل.

      

يتم نشر هذا المقال في موقع "جماليا" بالتزامن مع بثّه في إذاعة "صوت لبنان" يوم الأحـد 14 كانون الأول 2014

 

 

 

 

 

 
   
 

التعليقات : 0

 

   
 

.