3

:: علامتُه في الغياب نتاجُه في الحضور ::

   
 

التاريخ : 29/11/2014

الكاتب : هنري زغيب   عدد القراءات : 977

 


 

 

 

       مع غيابه اليوم، يبقى حضوره في النتاج.

في مطلع حياتي الأَدبية، كنتُ أُتابع الأَدبَ اللبناني بأَبرز أَعلامه شعراً ونثراً. لم أَطالع نصوصَهم أُفقياً، بل توغّلتُ في نسيج النص، أَتبيّن ارتداءَ الفكرةِ أُسلوباً، أَو الصورةِ تعبيراً، أَو المعنى تركيباً، كي أَبحَثَ لدى كلّ أَديب أَو شاعر عن هُويّـتِه الأَدبـية، واشتغالِه على النص لا باعتماد اللغةِ وسيلةً لنقلِ المضمون، بل غايةً في ذاتها تَجعل المضمون أَنقى وأَبقى، فيبتعدُ الناثر عن السرد البارد ويباعدُ الشاعر عن النظم المقنَّع بالوزن والتفاعيل.

نادراً ما وجدتُ لدى أُدبائنا وشُعرائنا اهتماماً بالتركيب اهتمامَهم بالصورة والمعنى والمضمون.

ونادراً ما وجدتُ لدى سعيد عقل نصاً ذا صورةٍ ومعنى ومضمونٍ دون العناية بالتركيب.

وبعدما فــتَّحْتُ عُــرَى أُسلوبه دُربةً دُربةً بُلوغاً إِلى أَدواته اللغوية، كما نفتّح الوردةَ بتلةً بتلةً وصولاً إِلى ينبوع العَــبَــق، رحتُ أُعيد قراءةَ نثره ("كتاب الورد"، لبنان إِن حكى"، "كأْس لـخمر"، ...) وقراءةَ شِعره ("بنت يفتاح"، "قدموس"، المجدلية"، "رندلى"، أَجمل منك؟ لا"، ...) فأَستسيغُ نصَّه أَكثر، لأَنني بِـتُّ أَجيءُ النص وأَنا عالـمٌ بمفاتيح تراكيبه، مدركٌ ثناياها ونسْجَها، متـبـيّـناً كيف شاعريتُه تَلِدُ القصائدَ وتجترحُ النثر.

       منذئذٍ رحتُ، بمعرفةٍ أَعمق، أُتابع مُحاضراتِه وأُمسياتِه، مراقباً تفكيرَه ومنطِقَه وآراءَه في أُمورٍ إِبداعيةٍ وشُؤُونٍ وطنيةٍ وإِضاءاتٍ لبنانية.

إِلى هذا الحدّ كنتُ بلغتُ من معرفتي أَسرارَ فنّه الأَدبي حين قضيتُ معه ساعاتِ عمَلٍ بَلَغَتِ الـمِئَة: خمسين في بيته (سنة 1993) قطَفْتُ منه ما كشَفَهُ لأَول مرة في حياته عن مراحلَ رئيسةٍ في حياته، نشرتُها لاحقاً في كتابي "سعيد عقل إِن حكى"، وقضيتُ الخمسين الأُخرى (سنة 2006) أَمام كاميرا "تلـﭭـزيون لبنان" حادَثْتُهُ في برنامجِي "سعيد عقل إِن حكى" سحابةَ خمسينَ حلقةً تلـﭭـزيونيةً نشرَ منها على الـمُشاهدين في لبنان والعالم أَفكارَه في مسائلَ فكريةٍ وعلْميةٍ وأَدبيةٍ ووطنيةٍ وحضاريةٍ وتاريخية، وشرَحَ في بعضِها قصائدَ له أَوصلَت مفاصلَ شاعريته إِلى قُــرّائها أَمتعَ استساغاً.

مئةُ ساعةٍ قضيتُها مع سعيد عقل تدويناً خطياً أَو تصويراً تلڤزيونياً، لعلّها بين أَمتَع الساعات في مسيرتي الأَدبية.

أَن أَكونَ صديقَ سعيد عقل منذ 1972 وأُتابعَ بعض جلساته الأَدبية والشعرية وأَقرأَ نتاجه، أَمرٌ قد يكون عادياً، لكنّ غير العاديّ أَن تكون لي فرصةُ محاورتِه أَدبياً طيلة 100 ساعة استخلصتُ خلالها للقرّاء فالمشاهدين مسيرةً وأَفكاراً لهذا الشاعر الذي يملأُ عصْرَنا شِعراً ولُبناناً.

"سعيد عقل إِن حكى"...

وهو حكى ما سيبقى لجيلِنا وأَجيالِنا المقبلة ذُخراً أَدبياً وفكْرياً وحضارياً عن لبنان من شاعرٍ نَذَرَ نتاجَ فكرِه وقلمِه من أَجل لبنان.

 

 

 
   
 

التعليقات : 0

 

   
 

.