3

:: يبقى النص... وهو الجوهر ::

   
 

التاريخ : 29/11/2014

الكاتب : هنري زغيب   عدد القراءات : 1036

 


 

 

 

       في وداعه نستقبله دخلَ اللحظة التي لا تذوي.

       نتاجه الوفير نثراً وشعراً باقٍ لهذه اللحظة بالذات: أن نقرأَه في غياب صاحبه فيبقى في وهج الحضور.

       سوى أنه يصعب: هذا أدب ليس بالعابر من التعبير بل في المصقول من التركيب، من هنا جِدّته في النسج التأليفي: "الأدب ليس ماذا نكتب، بل كيف نكتب ماذا".

       ووهجُ الأَدب الباقي هو في الصقل الذي يميّز كاتباً عن آخر وشاعراً عن سواه.

       سعيد عقل لم "يرتكب" النظم مرةً ولا "استسهل" السرد. بقي شعره سبكاً متيناً ونثره نسجاً مَكيناً.

شِعرُه والنثر من مقلع واحد: الجماليا. بالإِزميل نفسه ينقُش القصيدةَ والقطعة النثرية. ومن تسنى له مثلي أن يرى مخطوطة له، يَدُوخ في محاولة قراءتها: هنا كلمات مشطوبة مرة ومصحَّحة مرات ومعدلة مراراً حتى لتغدو مخطوطته خارطة يستحيل أن يفك رموزها سواه. ذلك أنه "يعاني" فعل الكتابة، شعريَّها والنثريّ، وبذلك يؤسس للنص في متانة، فيبقى على الدوام.

       للكلمة عنده حرمة مثلما للمرأة. وكما لم يكن يستهين بالمرأة فيتغزل بها ساميةً راقيةً منـزّهةً عن كل عيب، كان يتعامل مع الكلمة بهذه الأَناقة التي تجعل الكلمات بهية جميلة كالحبيبة البهية الجميلة.

لا فرق لديه بين نثر وشعر. "كلاهما فن عظيم"، ويشدِّد: "نُهين النثر إِذا قاربناه من الشعر، ونُهين الشعر إِذا قلناه منثوراً". لذا يُتقن نثرَه إِتقانَه شعرَه. وهذا ما دفع سعيد تقي الدين إِلى القول عنه إِنه "بين أَعظم من كَتَب النثر في العربية".

يُعرِّفه الكثيرون بــ"الشاعر". لكنّ الشعر سنبلةٌ واحدةٌ من بيدره الكثير. ربما الأَبرز، لكنها ليست الوحيدة.

منذ عرفتُه سنة 1972، وأَنا أُتابعه يتجدَّد لا يتوقّف. يواصل الطريق والاكتشاف. لا صفاؤُه تغيَّر ولا نشاطُه. دائماً يأْتي من صِفْر الذاكرة إِلى امتلاء الحضور.

لا يغيب عن باله اسمٌ ولا رقم. من أَقدم تاريخ إِلى أَحدث رقم. من أَول الأَزمنة إِلى آخر الإِحصاءات. يقارع المؤَرخين بالوقائع، والسياسيين بالحجَج، و"يَصدُم بالأَرقام" كما قال عنه غسان تويني.  

والأَرقام تعني العِلْم. من هنا يقول، وهو من هو في الشعر: "العلْم وراء كلّ تحفة عظيمة. لا تسحرُني قصيدةٌ كما يسحرني اكتشافٌ علمي. حتى الشعر هو ابن العلْم. العلْم يعصمُ من الشرود في القصيدة فتبقى في موضوعها. حين أَتعَبُ من الكتابة أَقرأُ في كتُب علمية". من هنا أَنّ في شعره باقات فضائل وعواطف ومُثُل عليا، غزَلاً كانت أَم استذكاراً أَم قولةَ تكريم، لترتدي القصيدة أَبهى الأَفكار وأَنبل العواطف.

في وداعه، يبدأ التطلّع إلى نصه كوحدة أدبية، وإخال المقبلين على دراسته سيتَّحدون بالنص دون الشخص، وهو ما يجب أن يتم في المناهج الدراسية، ثانويها والجامعي، ليكون شعره والنثر علامة من أركان هذا العصر اللبناني الذي ينتسب إليه سعيد عقل وينسبه إلى القيم، ففي كل نص من سعيد عقل جرعة من قيمة أخلاقية أو وطنية أو معرفية.

مع غيابه، نتطلع إلى من كانوا يجادلونه لكنهم بنبالتهم يحترمون شعره. وهو أَحبّهم حميعاً.

يبقى الشعر، وهو الأساس. وهو الجوهر. وسعيد عقل كان دائماً، وسيبقى نتاجه بعده، مع الجوهر.

الجوهر الذي ليس إلى جدال.

 

 

 

 
   
 

التعليقات : 0

 

   
 

.