3

:: غاية المراد من قصة المنطاد ::

   
 

التاريخ : 19/11/2014

الكاتب : د. أحمد الخميسي   عدد القراءات : 836

 


 

 

 

في 2  يوليو 1798 نزل الجنرال الفرنسي بونابرت إلى ميناء الإسكندرية من على ظهر بارجة تسمى الأوريان ثم دخل القاهرة. وفي 22 أغسطس أصدر مرسوما بإنشاء المجمع العلمي المصري. في ذلك الوقت كان المؤرخ عبد الرحمن الجبرتي في الرابعة والأربعين من عمره ووصف لنا ما أسماه "سنوات الملاحم العظيمة لحوادث الجسيمة". من تلك الحوادث إنشاء المعهد العلمي الذي أدهش المصريين بتطور العلوم التي لم يعرفوها أصلا. ذهل الجبرتي حين رأى التجارب الكيميائية التي تتبدل فيها ألوان السوائل في القوارير فكتب يقول: "فيها أمور وأحوال وتراكيب غريبة ينتج منها نتائج لا يسعها عقول أمثالنا"! وذات يوم أعلن الفرنسيون أنهم سيطيرون منطادا قرب بركة الأزبكية. وفي اليوم المحدّد تجمع أهل القاهرة لمشاهدة ذلك، وارتفع المنطاد قليلا لكنه سرعان ما انفجر. ولم يقتنع الجبرتي بإمكانية تطيير جسم في الفضاء، وظن أن المنطاد كذبة وأنه على حد قوله "مجرد بالون عادي". كان الأمر "مما لا تسعه العقول" حينذاك. وبعد أكثر من قرن ونصف على المنطاد الأول شاهد المصريون عام 1961 أول إنسان يرى الأرض من الفضاء الخارجي على متن منطاد أكثر تطورا هو "فوستوك" كان ذلك يوري جاجارين. وكانت مصر الدولة الوحيدة من بين كل الدول العربية والإفريقية التي زراها أول رائد فضاء. مع ذلك كان البعض يشك في واقعية منطاد جاجارين لكن الحقيقة العنيدة هزمت الشكوك التي ظهرت من قبل إزاء منطاد بونابرت. ثم توالت رحلات المناطيد فلم تعد خبرا مهما إلى أن هبط يوم الأربعاء 12 نوفمبر الحالي المسبار الفضائي "فيلة" على سطح مذنب، وكان  فيلة" ضمن مهمة مركبة فضائية تسمى "روزيتا" أطلقوها منذ عشرة أعوام في 2004 بهدف تعقّب مذنّب اكتشفه عالمان روسيان. الهدف الأول من إسقاط  مسبار على سطح ذلك المذنب هو اكتشاف كيف نشأت الحياة على الأرض والعناصر الأولية التى تكون منها كوكبنا، لأن المذنباتخلافا للكواكب - ظلّت على حالتها الأولى التي كانت عليها قبل أربعة مليارات ونصف المليار عام، فاحتفظت بالعناصر التي تكونت منها الأرض حينذاك. الهدف الثاني دراسة كيفية حماية الأرض من مخاطر اصطدام المذنبات بها وتدميرها. وتُعَدّ هذه الرحلة خطوة علمية هائلة غير مسبوقة في تاريخ الحضارة والعلم. أضف إلى هذا تلك الإشارات التي ربطت الحدث بمصر وفي مقدمتها أن اسم المسبار" فيلة" مأخوذ من معابد فيلة الفرعونية واسم المركبة "روزيتا" يعني حجر رشيد، والأهم أن أربعة من شباب العلماء المصريين قد شاركوا في المهمة وهم د. عصام حجي ابن الفنان الكبير محمد حجي، ود. رامي العمري، ود. أحمد الشافعي، ود. عصام معروف. وإذا أدركت حجم الانجاز العلمي واحترام حضارتنا القديمة ومساهمة علمائنا فسوف تشعر بالفخر الجميل بأولئك العلماء وبقدراتنا. لكنك إذا نظرت إلى مقدار اهتمام الإعلام وأجهزة الدولة وغيرها بذلك الحدث فسوف تشعر بالأسف العميق على أحوالنا. ولو أنهم أطلقوا على المسبار اسم "فيفي" بدلا من "فيلة" لقامت الدنيا عندنا وتحزّمت ورقصت وهاصت ولم تقعد من الفرح! في حينه لم يصدق الجبرتي قصة المنطاد الأول وقال: "فيه أمور لا يسعها عقول أمثالنا" وكان معذورا لأنه لم يكن يعلم أما نحن فنعلم لكننا لا نبالي وتلك كارثة أعمق وأشد إيلاما.

 

أحمد الخميسي. كاتب مصري

 

 

 
   
 

التعليقات : 0

 

   
 

.