3

:: شجرة الجنّة ::

   
 

التاريخ : 04/11/2014

الكاتب : جوزف أبي ضاهر   عدد القراءات : 1109

 


 

 

 

في قديم الحكايات، أن حاكم مدينةٍ تَبعَ هواه في الباطل من الأعمال.

أنفق ما جُمِعَ من مالٍ في الخزينة على رغبات وشهوات، حتّى إذا فَرَغتِ الخزينة قامر برهْن إهراءاتِ قمح كانت تموّن مدينته والمدن المجاورة... وخسر كلّ شيء. مَدَّ الجوع رأسه إلى أبواب البيوت.

كُشِفَت معاجن الخبز على فراغ. بكى الصغار وهاج الكبار.

طوَّقتِ الأصواتُ المحتجَّة أسوار القصر.

خَرَجَ الحاكم إليهم باسمًا، ليُعلن خديعة تسدّ الأفواه على أمل.

قال: من زمن ولم يَغمض لي جفن. سَهِرتُ على رعايتكم، وحمايتكم، وتأمين القوت والأمان لكم. وما حصل يخرج عن كلِّ إرادةٍ، ولكن ليس عن إرادتي. سأبعث إليكم بـ «رسَّام» القصر ليرسم على أبواب بيوتكم وجدرانها «شجرة الجنّة»... هي شجرة مباركة مقدّسة، لم يعطَ حقّ الإفادة منها إلا مَن أعطي رعايتكم.

ما إن ينتهي الرسَّامُ من الرَسمِ حتَّى تُورق هذه الأشجار، وتُزهر، وتُعطي في أيامٍ ثمرًا لا ألذّ ولا أطيب. من يأكل منه يشبع عمرًا، ويعيش دهرًا، ولا يحتاج إلى خبزٍ تستميتون الآن للمطالبة به قهرًا لجوعٍ فيكم بعد اليوم.

لن يَعرفَ الجوع طريقًا إليكم.

وَعَدَ، وأقسَمَ... وصَدَّقوا.

تفرَّقتِ الأصوات والناس، وهدأت النفوس، إلا نَفسُ رسَّام القصر، وكان سمع ورأى، فهزَّه الخوف من داخل.

قال للحاكم:

ـ كيف لي أن أرسم شَجَرَ جَنَّةٍ ما سَمعتُ به من قَبل، ولا عرفت له صورةً وشكلاً؟

هدّأ الحاكم من روعه، وسأله بخبثٍ ساخر:

ـ أما سمعتني أقول لهم ان الجوع لن يعرف طريقًا إليهم بعد اليوم؟

 بلى.

ـ إبدأ برسم شكل غريب على أبواب البيوت وعلى جدرانها، هم أيضًا لا يعرفون شكلاً لشيء غير موجود.

 ولكن...

ـ مهلاً، قبل أن تنتهي المدّة التي سترسم فيها أشجار الجنَّةِ... وستطول، يكون أصحاب البيوت في عِدادِ الأموات... هل سمعت يومًا أن الموتى يطالبون بخبزٍ لهم ولعيالهم؟

هذا كان في قديم الحكايات.

أما حديثها فتعرفونه، والتذكير به «ضربٌ في ميتٍ».

و«الضرب في الميتِ حَرَام»؟

 

·       من كتابه «ديك... وحكايا صغيرة» الصادر حديثًا.

 

 

 

 
   
 

التعليقات : 0

 

   
 

.