3

:: أمّهات الكتب ::

   
 

التاريخ : 02/11/2014

الكاتب : عطية مسُّوح   عدد القراءات : 19675

 


 

 

 

       قالوا: أمهات الكتب، ولم يقولوا: أمّات الكتب، وفي هذا تمجيد للكتاب وتعبير عن الإيمان بدوره في تكوين العقل والتفكير. فكلمة: أمّهات، خاصة بالعاقل، أمّا أمّ غير العاقل فتُجمع على (أمّات). هذا ما أكّده اللغوي الكبير ناصيف اليازجي في تعليقه على بيت المتنبي:

              تظنّ فـــــــراخ الفتخ أنّك زرتها        بأمّاتها وهي العتاق الصلادم

وتؤكّد المعجمات العربية القديمة، أي أمّهات المعاجم، هذا التخصيص. فيقول الجوهري في (الصحاح): الأمّهات للناس والأمّات للبهائم. وكذلك جاء في (العين) و (تهذيب اللغة) و (لسان العرب) وغيرها.

وهكذا، فقد نظر مطلقو مصطلح (أمّهات الكتب) على عدد من كتب التراث، إلى الكتاب – وهو صفحات جامدة وحروف مرصوفة – بوصفه صانع عقول، أي بوصفه أعقل العاقلين.

 ومصطلح (أمّهات الكتب) هو أحد المصطلحات الثقافية التي يستخدمها علم المكتبات في العصر الحديث، وقد درج الباحثون والمثقفون العرب في عصر النهضة على استخدامه للدلالة على تلك الكتب العربية الأساسية التي لا يستغني عنها مثقّف أو طالب علم في مجال اللغة والأدب والفلسفة والفقه وغيرها.

 وتمييز الكتب الأمّهات من سواها قديم في تراثنا، ونذكر على سبيل المثال قول ابن خلدون: "سمعنا من شيوخنا في مجالس التعليم أن أصول فنّ الأدب وأركانه أربعة دواوين، وهي كتاب الكامل للمبرّد، وأدب الكاتب لابن قتيبة، وكتاب البيان والتبيين للجاحظ، وكتاب الأمالي لأبي علي القالي البغدادي، وما سوى هذه الكتب الأربعة فتَبَع لها وفروع منها".

       وثمّة ما يشبه الإجماع على أهمّية هذه الكتب، لأنّها تحمل في طيّاتها الكثير من ثقافة العرب اللغوية والأدبية والاجتماعية والتاريخية. لكنّ ثمّة كتباً أخرى، في كلّ مجالات الأدب والثقافة، عدّها الباحثون من الأمّهات، مثل الأغاني للأصفهاني، ويتيمة الدهر للثعالبي، والإمتاع والمؤانسة للتوحيدي، وكتب طبقات الشعراء.. هذه كتب في التراجم والأخبار والأدب واللغة والنقد، وإذا وسّعنا الدائرة فسنجد عشرات الكتب في فروع الثقافة الأخرى، في الطبّ والفلسفة والتاريخ ومختلف أقسام العلوم الطبيعية والإنسانية، كما نجد التنوّع والتشعّب في كلّ كتاب، إذ يتجوّل الكاتب في مصنّفه الكبير بين العلوم، ويجمع في الكتاب الواحد بين الأدب والتاريخ والفلسفة وعلوم الطبيعة.

 أمّا الشعر، وهو أهمّ ما اشتغل فيه المثقفون العرب عبر العصور، فله أمّهات كتبه أيضاً، من الأصمعيّات إلى المفضّليات إلى المعلّقات إلى الحماسة أو الحماسات.. وفي مجال الفقه والتفسير والحديث والسيرة النبوية نجد الكثير الكثبر من الكتب التي تُعدّ من الأمهات، لكنّ الأمر يختلف هنا باختلاف المذاهب والملل، فما يعدّه المنتمون إلى مذهب ما أمّاً، قد يسفّهه أو لا يكترث له المنتمون إلى مذهب آخر.

       وإذا أردنا وضع خلاصة لدلالة مصطلح (أمّهات الكتب) حين نُطلقه على الكتب القديمة قلنا إنه يدلّ على نوعين من المؤلّفات هما:

1-الكتب المرجعية (المراجع والمصادر) التي تحتوي على معلومات أساسية يستند إليها الباحثون في أبحاثهم، ويستقي منها القارؤون معلومات تغذّي ثقافتهم العامّة أو التخصّصيّة، وتُعدّ – من هذه الناحية – وثائق مأمونة إلى حدّ كبير.

2 –الكتب التي أثّرت في ثقافة الناس في زمن صدورها وانتشارها، واستمرّ تأثيرها في أزمان لاحقة، بغضّ النظر عن مقدار هذا التأثير.

 وحين أطلق المحدَثون، وبخاصّة في عصر النهضة، مصطلح (أمّهات الكتب) على عدد من كتب التراث، كان غرضُهم إحياءَ الاهتمام بها، واستعادةَ دورها في الثقافة العامّة وبناء الشخصيّة العربيّة على المستويين الفرديّ والقوميّ. فالغرض من إحياء التراث كان سياسيّاً واجتماعيّاّ وثقافيّاً في آن واحد، وكان معاصراً وليس ماضويّاً، إذ كان عاملاً من عوامل إنهاض الروح القوميّة في مواجهة التتريك العثمانيّ والتغلغل الاستعماريّ الغربيّ، ومن أجل تأكيد الذات العربيّة.

لقد أدرك المفكّرون والمثقّفون والسياسيّون العرب في بداية عصر النهضة أهمّيّة الكثير من كتب التراث في تكوين شخصيّة جمعيّة ناميّة. وإذا كان بعضهم قد بالغ في اهتمامه بالتراث، فصرفه اهتمامُه عن الحاضر والثقافة الحديثة، وجعله مسكوناً بكتب الأجداد وبنزعة تراثيّة ماضويّة، فإن بعضهم الآخر، أو أكثرهم، أدرك أن التراث وحده لا يكفي لبناء شخصيّة عربيّة ناهضة متطوّرة قادرة على تحقيق ذاتها في خضمّ الصراع من أجل التحرّر السياسيّ وإقامة دولة عربيّة مستقلّة حديثة وقوية، وأنّ طريق التحرر والنهضة هو الجمعُ بين الأصالة والحداثة، والخلاصُ من الربط بين الاستعمار الغربيّ والثقافة الغربيّة، وتجاوزُ موقف الحذر من تلك الثقافة.

 كان كلٌّ من التيّارين المذكورين يسعى إلى نهضة المجتمع العربيّ، ولكن بطريقين مختلفين، فأصحاب النزعة الماضويّة اعتقدوا بأنّ إحياء التراث واستعادة قيم الماضي وبثّها في النفوس والعقول هي الطريق السليم المؤدّي إلى النهضة، أي إنّهم أسقطوا الماضي على الحاضر وفق تعبير حسين مروّة. بينما رأى أصحاب النزعة التحرريّة الحداثيّة أن الطريق هو في استيعاب معطيات العصر وتمثُل الثقافات الجديدة، دون التخلّي عن تراث الأمة، أي إنّ علينا التوجّه إلى تراثنا متسلّحين بثقافة العصر ومناهجه لتحقيق العلاقة الجدليّة التقاعليّة بين الأصالة والمعاصرة.

       وإذا تركنا التراثَ، ثروةَ العرب الكبرى، وجئنا إلى أدبنا وفكرنا في عصر النهضة، وهذا هو جوهر بحثنا، فسوف نجد ظهوراً جديداً لأمّهات كتب جديدة، ولا غرابة في ذلك، بل إنّه الأمر الطبيعيّ الحتميّ. ففي كلّ عصر نجد روّاداً في حقول المعرفة، في حقول الثقافة والعلم بكلّ فروعهما. ولا نعني بالروّاد من يفتتحون حقلاً معرفيّاً جديداً بالضرورة، بل من يؤسّسون لجديد ما، لتيّار أو اتّجاه أو مذهب أو رؤيا.

وانطلاقاً من تحديد صفات رئيسة تمنح الكتاب لقب (الأمّ) يتبيّن لنا أنّ قرني النهضة، التاسع عشر والعشرين، كانا غنيّين جدّاً بأمّهات الكتب، في المجالين الفكريّ والأدبيّ. فما هي هذه الصفات؟

1 – الريادة. بمعنى شقّ طريق إلى حقل معرفيّ جديد لم يكن الكاتب أو الكتاب قد سُبق إليه سبقاً واضحاً.

       والحقل المعرفيّ الجديد مصطلح ملتبس. فالجدّة نسبية، وما من حقل جديد كلّ الجدّة، أو مقطوع الصلة بالحقول السابقة. وإذا أخذنا،على سبيل المثال، دراسة تأثّر العرب بالثقافة الغربيّة منذ بدايات عصر النهضة في أوائل عهد محمد علي في مصر، وقلنا: إنّ هذه الدراسة هي حقل معرفيّ جديد، أو حلقة راهنة من حقل معرفيّ قديم هو حقل تلاقح الثقافات، فسنجد أنّ الرائد في هذا الحقل هو رفاعة الطهطاوي، وسنقول: إنّ كتابه (تخليص الإبريز في تلخيص باريز) هو كتاب أمّ وإنّه من أمّهات الكتب. فهو الكتاب الأوّل في قراءة ثقافة الغرب الاجتماعية والسياسية قراءة تتّسم بالإعجاب وتفتح باب التأثّر والاستلهام.

ولكن، برغم ذلك، فإنّنا لا نستطيع أن ننفي حقيقة تاريخيّة هي أنّ أفكاراً كثيرة حول التأثّر والتأثير قد طُرحت في عهود سابقة، وأنّ العلاقة بالثقافة الغربيّة الحديثة والتغنّي بتجربة الغرب الحضاريّة قد بدأت وأخذت بالتراكم والتمهيد لما يليها منذ أن توجّه الأمير فخر الدين المعنيّ إلى إيطاليا حيث أمضى خمس سنوات، عاد بعدها إلى سلطته فأرسل بعثات درسيّة إلى إيطاليا وأجرى تبادلاً تجاريّاً بين لبنان وذلك البلد الأوربّيّ في الربع الأوّل من القرن السابع عشر.

فالحقل الذي بدأه الطهطاوي إذاً، ليس حقلاً جديداً جدّة مطلقة، وتجربته في هذا الحقل ليست مقطوعة الصلة بتجربة فخر الدين، وكتابه الأمّ (تخليص الإبريز في تلخيص باريز) الذي شقّ حقلاً معرفيّاٍ جديداً هو دراسة تجربة الغرب الحضاريّة والاطّلاع على ثقافته والإفادة منها، وما تفرّع من ذلك من التمييز بين الصالح والطالح في حضارة الغرب، والبحث فيما نأخذ وما نترك، وفي جدل الهويّة والانفتاح، وفي علاقة الثقافة الحديثة بالدين، وغير ذلك.. هذا الكتاب الأمّ الرائد ليس مقطوع الصلة بتجربة فخر الدين المعنيّ، حتّى إن لم يكن الطهطاوي مطّلعاً اطّلاعاً مباشراً على تلك التجربة، لأنّ التراكم والتتابع والتواشج هي قوانين معرفيّة موضوعيّة تفعل فعلها بطرق وأشكال مختلفة قد لا تكون منظورة أحياناً.

لقد أقرّ معظم الباحثين المعاصرين بريادة الطهطاوي وكتابه المذكور، ويكفي مثلاً أن نذكر أنّ الباحث والأديب المصري بهاء طاهر أطلق على المفكّرين النهضويّين الحداثيّين العرب بعد الطهطاوي تسمية (أبناء رفاعة).

هذه هي نسبية الجدّة في كلّ حقل معرفيّ يشقّه رائد أو عدد من الروّاد، فبذور الجديد موجودة في القديم على الدوام.

2-الابتكار: فقد لا يشقّ الكتاب طريقاً إلى حقل معرفيّ جديد، ويستحقّ، مع هذا، أن يُصنّف بين أمّهات الكتب، وذلك إذا احتوى فكرة جديدة، على أن تتّصف هذه الفكرة بصفتين: الأولى، هي أن تكون فكرة كبيرة، لا تتّصل بجزء صغير من أجزاء حقل معرفيّ، بل تتّصل بفرع من فروعه. فإذا كانت فروع الحقل المعرفي كأشجار الحقل فإنّ الفكرة المبتكرة يجب أن تشبه الغصن في الشجرة لا الغصين، أو الغصن لا الفنن. أمّا الصفة الثانية فهي أن تكون الفكرة قابلة للتوليد، أي قابلة لأن يبني عليها المفكّرون اللاحقون والباحثون في حقلها المعرفيّ فكراً أخرى. بهذه القابلية للتوليد تكون أمّاَ، ويكون الكتاب الذي احتواها من أمّهات الكتب.

وعلى سبيل المثال فإنّ كتاب (الإسلام وأصول الحكم) للمفكّر الشيخ علي عبد االرازق لم يفتتح حقلاً معرفيّاً جديداً، فموقف الإسلام من السلطة وعلاقة المحكومين بالحاكمين حقل معرفيّ قديم، كُتب فيه الكثير. أمّا الفكرة الكبيرة التي جعلت الكتاب من الأمّهات فهي فكرة عدم ضرورة الخلافة، وإمكانيّة حكم المجتمعات الإسلاميّة بطريقة أخرى. لماذا جعلت هذه الفكرة الكتاب أمّاً؟ لأنّها فكرة كبيرة حقّاً، جاءت بعد أن تكرّست في العقول العربيّة والإسلاميّة فكرة الخلافة التي لم تغب عن تاريخ العرب بعد الإسلام إلاّ في فترتين استثنائيّتين، هما الحقبة الممتدّة بين سقوط الخلافة العباسيّة في بغداد وانبعاثها في مصر، والحقبة الممتدّة بين نهاية الدولة الفاطميّة وقيام السلطنة العثمانيّة. جاءت فكرة (الإسلام وأصول الحكم) الكبيرةُ هذه، أي فكرة نقض الخلافة، لتصدم ما استقرّ في أذهان الناس، وما اعتادوه زمناً طويلاً. إنّها فكرة كبيرة حقّاً، قابلة للنقاش والاستيلاد، ومؤهّلة لأن تنبثق منها فكر أخرى نتيجةَ نشاط الباحثين. لذلك أهّلت الكتاب الذي حملها لأن يكون من الأمّهات.

ومثل هذا الكتاب كتاب (مستقبل الثقافة في مصر)، فهو لم يفتتح حقلاً معرفيّاً جديداً، أو يشقّ الطريق إلى حقل جديد، فتأتي مكانته من ذلك، كما أنّ تلك المكانة لا تأتي ممّا يحتويه من فِكَرٍ تربويّة وثقافيّة مهمّةٍ حقّاً، بل تأتي من فكرة كبيرة غير مسبوقة وهي أنّ مصر – ثقافيّاً – هي جزء من الغرب الأوربيّ، وأنّ التعليم ينبغي أن يكرّس ذلك ويفيد منه. فكرة قد يقبلها أناس ويرفضها أناس، وقد تكون أساساً لدراسة تاريخ الثقافة المصريّة لمعرفة صلتها بالثقافة الأوربيّة منذ عهد الإغريق إلى عهد الخديوي إسماعيل.. إنّها فكرة قادرة على أن تثير حواراً كبيراً يولّد فكراً أخرى، وهذا ما حدث فعلاً، ولذا نَعُدّ كتاب (مستقبل الثقافة في مصر) من أمّهات الكتب.

3-الإجابة: أي إنّ الكتاب يدخل حيّز الأمّهات إذا تضمّن إجابة عن سؤال، على أن يكون هذا السؤال تاريخيّاً، أي يُهمّ مرحلة تاريخيّة كاملة، أو يتعلّق بتطوّر المجتمع ونهوضه أو بتدنّيه وخرابه.

والسمة الثانية لهذا السؤال هي أن تكون الإجابة عنه تأسيساً لنظريّة أو إدخالَ تعديل على نظريّة معروفة.

ولعلّ كتاب (في الشعر الجاهليّ) لطه حسين يصلح مثالاً لذلك. فالكتاب يمتلك صفتين مما ذكرناه لأمّهات الكتب حتّى الآن، الأولى هي أنّه أوّل كتاب يدرس الشعر العربيّ قبل الإسلام على أساس منهج الشكّ، والثانية هي أنه محاولة للإجابة عن سؤال: كيف نتعامل مع تراثنا الشعريّ بعامّة والجاهليّ بخاصّة؟ أنتعامل معه تعاملاً تسليميّاً كما يتعامل المؤمن مع مقدّساته أم تعاملاً يقوم على الشك ّوالبحث والتدقيق؟ وواضح أنّ هذا السؤال على درجة من الأهمّيّة جعلت الإجابة عنه إجابة تأسيسيّة، تقوم عليها نظريّة جديدة لها أنصارها وخصومها، وقد تنقضها نظريّة أخرى يطرحها كتاب جديد فيُعدّ من أمّهات الكتب أيضاً.

هذا في مجال الفكر والنقد، أمّا في مجال الإبداع الأدبيّ فلا يكفي الإبداع لجعل الكتاب أمّاً، بل لا بدّ من أن يكون مؤسّساً لاتجاه إبداعيّ، أو مشاركاّ في تأسيسه. ولعلّ أبرز مثال لذلك هو المجموعات الشعريّة الأولى التي بُنِيَت قصائدها على التفعيلة بدلاً من البحر، أي التي أرست قواعد شعر التفعيلة، وهي لنازك الملائكة وبدر شاكر السيّاب وبعضِ شعراءِ ثلاثِ السنواتِ الأخيرةِ من أربعينيّات القرن العشرين. وإذا كان شعر التفعيلة في العقود التي تلت سنوات التأسيس قد تجاوز شعر الملائكة والسيّاب فنّيّاً وإبداعيّاً فإنّ فضل التأسيس جعل مجموعاتهما الشعريّة أمّهات لا تُضاهى. والشيء ذاته نقوله عن ديوان (آلام) بأجزائه الثلاثة لنديم محمّد، ونقوله عن المجموعات الأساسيّة لزعماء التيّارات الشعريّة المعاصرة مثل نزار قباني ومحمود درويش وأدونيس ومحمّد الماغوط. فقد أرسى هؤلاء أسس تيّارات شعريّة تأثّر بها واستلهم قيمها الفنّيّة كثير من الشعراء المعاصرين.

فإذا أخذنا هذه الملامح جميعاً تبيّن لنا أنّ عشرات الكتب التي ظهرت في عصر النهضة، منذ عام 1934 (عام صدور كتاب تخليص الإبريز) إلى أواخر القرن العشرين، هي من الأمّهات، وعلينا تصنيفها كذلك لغرضين أعدّهما في غاية الأهمّيّة، أوّلهما: الخلاص من العبودية لأمّهات الكتب القديمة، التي نقدّرها وننحني إجلالاً لدورها في بناء الثقافة العربيّة. وثانيهما: وضع التطوّر الثقافيّ العربيّ في سياقه التاريخيّ الصحيح لدراسته دراسة تاريخيّة موضوعيّة مُنصِفة، لنصل إلى أنّ ما ينتجه المفكّرون والمبدعون العرب في عصرنا يحمل قيمة ثقافيّة لا تقلّ أهمّيّة عن قيمة أمّهات الكتب القديمة، وأنّ دور أمّهات الكتب الحديثة في بناء الشخصيّة الثقافيّة العربيّة – على المستويين الفرديّ والجمعيّ – هو دور رئيس وحاسم.

وفي مجال الحديث عن هذا الموضوع، ثمّة فرق تاريخيّ لا يجوز إغفاله في البحث والتقويم، بين الظرف الذي ظهرت فيه أمّهات الكتب القديمة، والظرف الذي ظهرت وتظهر فيه أمّهات الكتب في عصرنا. إنّه الفرق في وضع المجتمع بين الصعود والتطلّع إلى الصعود، أو الصعود والمراوحة في المكان، أو الصعود والهبوط. فأمّهات الكتب التي ظهرت في العصر العباسيّ الأوّل والثاني، عبّرت عن نهوض ثقافيّ مواكب لنهوض مجتمعيّ، أو ناتج عن نهوض مجتمعيّ تحقّق وأثمر.. بينما عبّرت أمّهات الكتب التي ظهرت في القرن التاسع عشر والنصف الأوّل من القرن العشرين عن الاستيقاظ والتطلّع إلى الصعود، وعبّرت وتعبّر في العقود الأخيرة من القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين عن المراوحة والهبوط، أو ما يسمّيه الباحثون الانكسار.

إنّ العشرات من الكتب العربية الصادرة في العصر الحديث يمكن أن تُعَدّ من أمّهات الكتب، وسأذكر على - سبيل المثال – أسماء عدد منها، مع تواريخ صدورها:

·       تخليص الإبريز في تلخيص باريز لرفاعة الطهطاوي /1834/

·       دائرة المعارف (أجزاء) لبطرس البستاني /1880/

·       رسالة التوحيد للإمام محمّد عبده /1887/

·       تحرير المرأة لقاسم أمين /1899/

·       أمّ القرى لعبد الرحمن الكواكبي /1901/

·       الاشتراكيّة سلامة موسى /1913/

·       الديوان للعقاد والمازني /1922/

·       الغربال لميخائيل نعيمة /1923/

·       الإسلام وأصول الحكم لعلي عبد الرازق /1925/

·       في الشعر الجاهلي لطه حسين /1926/

·       حرّيّة الفكر وأبطالها في التاريخ لسلامة موسى /1926/

·       فجر الإسلام (ومن ثمّ الأجزاء الأخرى) لأحمد أمين /1927/

·       لماذا تأخّر المسلمون ولماذا تقدّم غيرهم؟ لشكيب أرسلان /1930/

·       القضايا الاجتماعيّة الكبرى في العالم العربيّ لعبد الرحمن الشهبندر /1936/

·       نشوء الأمم لأنطون سعادة /1936 /

·       مستقبل الثقافة في مصر لطه حسين /1937/

·       الوعي القومي لقسطنطين زريق /1939/

·       الفكر العربيّ الحديث وأثر الثورة الفرنسيّة في توجيهه السياسيّ والاجتماعيّ لرئيف خوري /1943/

·       من هنا نبدأ لخالد محمّد خالد /1950/

·       مواطنون لا رعايا لخالد محمّد خالد /1952/

·       في الثقافة المصريّة لمحمود أمين العالم وعبد العظيم أنيس /1956/

·       نقد الفكر الديني لصادق جلال العظم /1929/

·       الاستشراق: المعرفة، السلطة، الإنشاء لإدوار سعيد /1976/

·       مشروع رؤية جديدة للفكر العربيّ في العصر الوسيط لطيّب تيزيني /1976/

·       النزعات المادّيّة في الفلسفة العربيّة الإسلاميّة لحسين مروّة /1978/

·       تكوين العقل العربيّ لمحمّد عابد الجابري /1985/..

وهنالك الكثير من الكتب المؤهّلة لأن تُذكر بين الأمّهات، إذ إنّنا نجد فيها صفة أو أكثر من الصفات التي ذكرناها في سياق بحثنا.

 وسأتوقّف قليلاً عند ثلاثة منها هي:

فنّ الأدب لتوفيق الحكيم، وقصّة الإنسان لجورج حنّا وقضايا وحوارات النهضة العربيّة لمحمّد كامل الخطيب.

 فنّ الأدب:

صدر هذا الكتاب عام 1952 وهو كتاب نظريّ يستند إلى ثقافة صاحبه الواسعة وخبرته الثريّة، فيضع المؤلّف عصارة فهمه وتجربته في مقالات قصيرة واضحة اللغة عميقة الأفكار غزيرة المعلومات، تحمل القدرة على البقاء في دائرة الصحّة والتأثير برغم مرور أكثر من من ستّة عقود على وضعها.

تدلّ عناوين أبواب الكتاب على أهمّيّته: الأدب ويداه (أي الإبداع والنقد)، الأدب والفنّ، وهو باب يتناول علاقة الأدب بمختلف الفنون الإنسانيّة كالموسيقا والرسم والغناء.. الأدب والصحافة، الأدب والعلم، الأدب والأجيال...

قارىء هذا الكتاب يجد نفسه أمام كمّيّة كبيرة من المعلومات والاستنتاجات تتعلّق بنظريّة الأدب وتحمل وجهات نظر شاملة ومتكاملة، تفصح عن ثقافة واسعة وعقل فلسفيّ يغوص في المشكلات الثقافيّة والأدبية الكبرى ويصل إلى الجوهريّ فيها.

يثبت توفيق الحكيم في هذا الكتاب قدرته – كعدد من أدباء جيله – على تكثيف تجربته الثقافيّة والحياتيّة وعرض آرائه بوضوح وعذوبة وجمال.

وإذا كان الأدباء والمثقفون في أواسط القرن العشرين قد اهتمّوا بكتاب توفيق الحكيم هذا وتأثّروا به وصار جزءاً من ثقافتهم، وإذا كان كتاب فنّ الأدب - ككثير من الكتب الصادرة في أواسط القرن العشرين – قد عبّر عن المستوى العالي الذي وصلت إليه الثقافة في ذلك الزمن، فإنّ أبناء الأجيال اللاحقة، ومنهم الكثير من الجامعيّين ودارسي الأدب وعدد ممّن يدخلون عالم الكتابة والنقد الأدبيّ، لم يتعاملوا مع هذا الكتاب تعاملاً يوازي أهمّيّته، بل نجرؤ على القول إنّ كثيراً منهم لم يقرؤوه أو يسمعوا به.

والمؤسف أنّ كتاب (فنّ الأدب) لم يأخذ حقّه من المؤسّسات الثقافيّة الرسميّة طباعة وترويجاً. كما لم يأخذ أيّ جزء من حقّه على مستوى الدراسات الجامعيّة، ولم يوضع بين أيدي طلاّب كلّيّات الآداب بوصفه كتاباً في نظريّة الأدب مكتوباً بلغة أدبيّة فيها من الدقّة قدر ما فيها من الجمال.

قد يقول قائل: إنّ الكتاب الجيّد قادر بذاته على فرض فاعليّته وتأثيره. لكنّ الحقيقة هي أنّنا في زمن استئثار وسائل الإعلام بأكبر نصيب من مهمّة الترويج أو التعتيم والطمس، كما تُسهم المؤسسات التعليميّة والأكاديميّة بوضع كتاب ما في دائرة الضوء أو إلقائه في ظلام النسيان.

 قصّة الإنسان

أصدر د. جورج حنّا الطبعة الأولى من هذا الكتاب عام 1951، وجاء في 350 صفحة من القطع الكبير.

 لا يمكن للقارىء أو الباحث أن يُصنّف هذا الكتاب ضمن جنس أدبيّ أو فكريّ معيّن، فهو كتاب في تاريخ الحضارة، يتتبّع حلقات الحضارة الإنسانيّة منذ نشوء الإنسان، أي منذ عشرات آلاف السنين. وهو كتاب في تاريخ الأفكار وتطوّرها، يرصدها منذ أن بدأ الإنسان الأعلى (أي في صورته الحاليّة حسب تعبير المؤلّف) بالإفادة من خبرته ومراكمتها لتتزايد وتتنامى وتصل إلى ما وصلت إليه في القرن العشرين. وهو كتاب في التاريخ السياسيّ، يضع يد القارىء على الحلقات السياسيّة المفصليّة التي تخصّ البشريّة كلها، والتي تجاوز تأثيرها حدود مجتمع أوأمٌة أو دولة... إنّه في نهاية الأمر كتاب ثقافة عامّة، لا يستطيع كتاب آخر أن يحلّ محلّه أو يسدّ الفراغ الذي ملأه.

يتضمّن الكتاب ستّة وعشرين فصلاً تُغطّي التاريخ الإنسانيّ بكل حلقاته، بدءاً من (نشوء الحياة) وهو الفصل الأوّل وانتهاء بـ(المدينة الفُضلى) الذي يؤكّد أنّ التاريخ مفتوح، والتطوّرَ لا حدود له ولا سقوف، وطموحَ الإنسان إلى الأفضل، إلى المَثَل المُتخيّل، هو طموح دائم.

يعرض الكتاب تطوّر الحضارة الإنسانيّة بدءاً من حضارة ما بين النهرين، إلى وادي النيل، إلى أقاصي المشرق، ويفرد فصلاً خاصّاً لكلٍّ من الحضارتين الإغريقيّة والرومانيّة. ويرصد الحلقات الأكثر أهمّيّة في فكر الإنسان الدينيّ ودورها في الحضارة، ويتابع انتقال البشريّة من نظام اجتماعيّ اقتصاديّ إلى آخر، ويتناول نشوء النظام الرأسماليّ وما رافقه من تطوّر على المستويين العلميّ والعقليّ، وهو ما مهّد للثورة الفرنسيّة، الحلقة الأكثر أهمّيّة في التطوّر السياسيّ والثقافيّ العالميّ. ويخصّ الكاتب تلك الثورة بفصل كبير، محلّلاً أسبابها العميقة ودورها التاريخيّ وانتكاساتها.

أمّا الفصل الذي يلي ذلك فهو بعنوان: (التقدّم العلميّ في الغرب يستثمر الجمود الروحانيّ في الشرق ويخدم الاقتصاد الاستعماريّ) ويدلّ هذا العنوان على ما في الفصل من مباشرة في الطرح وحرص على تقديم المعلومات بعيداً عن العاطفة والخيال. ثمّ يخصّ الكاتب الثورة الروسيّة البلشفيّة بفصل يتّسم بامتزاج النزعة الوصفيّة الواقعيّة بالتطلّع الإيديولوجيّ.

أمّا الحروب الاستعماريّة، بدءاً من الحروب الصليبيّة، فقد حلّلها الكاتب تحليلاً دقيقاً، كاشفاً الدوافع الحقيقيّة للحروب الصليبيّة التي لا علاقة لها بالدين إلاّ من باب استغلاله، ومشيراً إلى شرورها التي وقعت على أبناء المنطقة العربيّة من مسلمين ومسيحيّبن. لكنّه يشير إلى أنّها كانت ذات نفعٍ إذ فتحت باباً عريضاً للتفاعل بين الشرق والغرب.

تغمر الكتاب نزعة إنسانيّة تتجلّى بحبّ الإنسان والثقة بقدرته وتميّزه ونزوعه إلى الخير والحرّيّة.

 قضايا وحوارات النهضة العربيّة

 هذا الكتاب حديث الصدور، ما تزال طبعته الأولى بين أيدي القرّاء. ولا أدري كم من الجهد والوقت بذل المفكّر الأديب الباحث محمّد كامل الخطيب في إعداد هذا الكتاب بأجزائه ومجلّداته التي تتجاوز الأربعين. إنّه عمل – ولا أظنّني مبالغاً فيما أقول – يحتاج إلى عمرٍ كاملٍ وجهد متواصلٍ لا تبديد فيه.

لقد قرأ محمّد كامل الخطيب النتاج الأدبيّ والفكريّ في عصر النهضة (أي في القرنين التاسع عشر والعشرين) كاملاً. وهذه القراءة بحدّ ذاتها مأثرة كبيرة، ثمّ أعاد بناء هذا النتاج وكأنّه معماريّ يصنع من الحجارة المتراكمة بناءً كاملَ الترتيب. انتقى من تلك الحجارة أقواها وأجملها ولم يغفل عمّا تفرّد منها بميزة أو أكثر. ولعلّنا نوجز ما حقّقه الخطيب في عمله هذا بما يلي: 

1 -إعادة بناء فكر النهضة العربيّة على أساس الموضوعات. فثمّة مثلاّ مجلّد يحتوي كلّ (أو معظم) ما كتبه النهضويّون عن موضوع (القديم والجديد)، ومجلّدات عن الإصلاح، وقضيّة المرأة، والاشتراكيّة والشعر والمسرح والحرّيّات العامّة واللغة والنقد وغير ذلك.

2 –توثيق أهمّ ما طُرح في المعارك الفكريّة والصراعات المتعلّقة بتحرّر العقل والتفكير. كمعركة كتاب (في الشعر الجاهليّ)، ومعركة كتاب الإسلام وأصول الحكم)، ومعركة كتاب (نقد الفكر الدينيّ) وغيرها.

3 –وضع التيّارات والمذاهب الفكريّة والثقافيّة والأدبيّة في نوع من التجاور أو التقابل، كي يستطيع القارىء إجراء المقارنة والموازنة بين أفكارها وخطابها وأهدافها.

4 –التوثيق المحكم الشامل. فلا مقالة إلاّ ضُبِط تاريخ نشرها ومكانه، ولا كاتب إلاّ حُدِّد ميلاده ووفاته، ولا كتاب إلاّ ذُكر تاريخ صدور طبعته الأولى.

5 –ترتيب ذلك كلّه على أساسٍ تاريخيّ في كلّ موضوع من الموضوعات.

6 –وتوّج الخطيب ذلك كلّه بمجلّد من تأليفه يحمل عنوان: (تكوين النهضة العربيّة) وهو تحليل وقراءة نقدية وتقويميّة واستنتاجات نظريّة ذات أهمّيّة كبيرة.

لقد قدّم محمّد كامل الخطيب نتاج عصر النهضة الفكريّ والثقافيّ مرتّباً أنيقاً، قائلاً للباحثين والدارسين القادمين: خذوا هذه الثروة الثقافيّة، احتضنوها بعنايتكم، ولتكن غذاء لعقولكم وأرواحكم، ومادّة لأبحاثكم..

أفلا يُصنّف هذا العمل الفريد من نوعه في عداد أمّهات الكتب؟ إذا لم نصنّفه نحن فسيقوم بذلك أبناؤنا وأحفادنا.

لم يتوقّف إذاً، ولن يتوقّف إنتاج أمّهات الكتب في أدبنا وثقافتنا، هذه الكتب الخالدة التي تُدخِل أصحابها في دائرة الخلود. وكما عدّ أسلافُنا قراءة أمّهات الكتب القديمة ضروريّة للمثقّفين في زمنهم، نعُدّ قراءة أمّهات الكتب الحديثة ضروريّة لتكوين شخصيّة المثقّف الفرد، وبناء جيل مثقّف فعّال.

 

 

 
   
 

التعليقات : 0

 

   
 

.