3

:: الأرشفة تراث إنساني ::

   
 

التاريخ : 31/10/2014

الكاتب : فاطمة المزروعي   عدد القراءات : 917

 


 

 

بدأت رحلة الإنسان مع حفظ المعلومات وصون منجزاته وتوثيقها، منذ سنوات غابرة ضاربة العمق في الزمن القديم، فقد فهم الإنسان الأول أن المحافظة على المعلومات يمكنه من التطور، ذلك أن كل مبتكَر أو منجز يكون بدائياً في مرحلته الأولى، لكن بحفظ معلومات هذا المنجز يمكن للأجيال التالية التطوير حتى يصل لمراحل من الكمال في خدمة البشرية، والأمثلة والشواهد في هذا السياق كثيرة وعديدة.

اخترع الإنسان، منذ عصورٍ ضاربةِ العمق في التاريخ، النقوشَ وحفْرَ الرموز في الكهوف ثم تعلم اللغة وصولاً إلى الكتابة فاكتشاف الورق وتطورات متتالية في هذا السياق على فترات زمنية كبيرة في عمر الإنسانية بأسرها. هذه الثورة جعلت الحفظ والتوثيق مهمة لا فكاك منها، ومشاركة المعرفة تعني حفظها من الضياع فالمعرفة هي الهدف الأزلي الذي سعى لها الإنسان منذ أن كان يعيش في العصور الحجرية حتى يومنا، فمعرفة الإنسان الأول كيفية نقل الصخور بواسطة العجلة كانت نقلة هائلة في التفكير البشري، ومعرفة الزراعة جعلته يستقر ويبني المنازل، وبالمعرفة تمكّن من التغلُّب على الحيوانات التي كان يصطادها مرة وتصداه مرة، بل تمكّن بالمعرفة من استئناس الكثير من الحيوانات وتسخيرها لخدمته كالكلاب والخيول والجمال وغيرها، واستخدم الرموز الاستخدام الأمثل فكل معرفة يحصل عليها كان ينقشها ويوثّقها –يحفظها - داخل كهوفه حتى اكتشافه للكتابة، وهذه المعارف تنقل من جيل للجيل التالي الذي يطورها ويبني عليها المزيد من الخبرات والمعارف، لولا التوثيق وحفظ المعارف لما تطورت البشرية – الأرشفة وإن بشكل بدائي - ومن خلال هذا الزخم المعرفي المتوارث منذ القدم وحتى يومنا والذي كان للأرشفة دورها الرئيسي فيه بالحفظ وعدم الضياع كانت تقوم الحضارات المتتالية وتتطور وتتقدم ثم تتلاشى وتقوم أخرى مكانها لتكمل المسيرة الإنسانية، لكن كل حضارة كانت تقوم على أفكار وتميز أفرادها ومدى ما يملكونه من المعارف والعلوم، وإذا كان هناك من العلماء من يقول أن الحضارة تتكون من الاقتصاد وموارده، والسياسة وأنظمتها، والتقاليد الأخلاقية والمبادئ القويمة، ثم العلوم والفنون، فما هي هذه المكونات إذا لم تكن من لبِّ المعرفة الناتجة التي تطورت بفضل حفظ المعلومات وتوثيقها على مر تاريخ الإنسان.

وعندما ننظر لإنسان اليوم ونسأل كيف وصلت البشرية لكل هذا التطور والتقدم؟ فإننا نغفل أثر الأرشفة والتي من أولى مهامِّها حفظُ المعلومات وإصدارُها لكل من يطلبها وينشد التعليم والابتكار ومحاولة البناء على منجزات من سبقه. والأرشفة بدأت مع الإنسان بشكل عفوي ومتلازم، ففي ذلك الزمن السحيق لم تكن علماً بقدر ما كانت حاجةً توجّه الإنسان نحوها لأنها تحقق له تطور وأيضا تساعده على البقاء والتغلب على مشاكله. حول قدم الأرشفة ومدى تواجد الأرشيفات منذ عصور غابرة، جاء في كتاب الأرشيف تاريخه إدارته، من تأليف كلٍّ من سالم عبود الالوسي، ومحمد محجوب مالك، وصدر في بغداد جاء فيه: "أن الأرشيفات كانت موجودة ومعروفة في حضارات الشرق القديم وكذلك عند الإغريق والرومان، ونظرا لأن بلاد ما بين النهرين كانت الموطن الأول للكتابة والتدوين فقد اخترع السومريون والأكاديون والبابليون والاشوريون والكلدانيون الكتابة الصورية وفي العصر الثاني من عصر الوركاء حوالي 3500 قبل الميلاد دوّنوا على الطين والأحجار معارفهم وعلومهم ومن هناك أخذت الكلمة المكتوبة طريقها الى الشيوع والاستعمال في بقية أرجاء الشرق القديم، ومن هناك كانت الأرشيفات معروفة عند القدماء كالسومريين والأكاديين والبابليين والآشوريين والكلدانيين وكذلك عند المصريين القدماء والفرس والأمم الأخرى وما خلفوه من رُقُمِ طين وألواح حجر ومدونات أخرى، يمكن اعتبارها مواد ذات طبيعية أرشيفية". نتطلع فعلا ليأخذ علم الأرشيف حقه من الاهتمام والعناية، بما يليق بتاريخه وأثره البالغ في حياة البشرية بأسرها منذ الأزل وحتى يومنا هذا.

 

 

 
   
 

التعليقات : 0

 

   
 

.