3

:: مقبول للموت مرفوض للحياة ::

   
 

التاريخ : 22/10/2014

الكاتب : د. أحمد الخميسي   عدد القراءات : 1048

 


 

 

 

يجب أن نعترف للبعض بأن لديه موهبة تحويل الحياة إلي جحيم. مواهب من نوع خاص تبذل أقصى جهدها في إغراق أيّ أمل صغير.

أتحدّث عن القرار الأخير لمجلس القضاء الأعلى وقْف تعيين مئة وثمانية وثلاثين عضو نيابة عامة بسبب أن آباء المتقدمين غير حاصلين على مؤهلات عليا، أي أن آباءهم من العمال والفلاحين. هذا ما جرى بالضبط أيام حسني مبارك عام 2003 حين تقدم شاب اسمه عبد الحميد شتا للالتحاق بالسلك الدبلوماسي واجتاز كل الاختبارات بامتياز، ثم فوجئ بأنهم رفضوه بدعوى أنه "غير لائق اجتماعيا" أي أن والده فلاح بسيط ! لم يحتمل الشاب الإهانة وانتحر بإلقاء نفسه في النيل. وقبل الحديث عن المغزى السياسي لقرار مجلس القضاء فإن القرار يعكس أولا قبل كل شيء نظرة احتقار عميقة للشعب المصري لم يتنطع بها من قبل إلا الشراكسة والأتراك والانجليز وكل الأجلاف الوافدين لغزو مصر الذين شكلوا شريحة عليا تأكل وتشرب وتتبغدد من عرق الفلاحين والعمال ثم تتهمهم بعدم الكفاءة لأي منصب أو دور.

الآن لدينا في مصر أكثر من خمسين مليون فلاح ونحو عشرين مليون عامل بفضلهم تحيا مصر. وإذا كان البعض لا يصلح للتعيين في النيابة لأن والده فلاح أو عامل، فلا بأس من التذكير بأن والد طه حسين، ووالد رفاعة الطهطاوي، كانا من الفلاحين المعدمين، أما عباس العقاد بجلالة قدره فلم يكن حاصلا إلا على الابتدائية! وعندما أراد جمال عبد الناصر الالتحاق بالجيش رفضته الكلية العسكرية لأن والده موظف بريد بسيط، ولولا أن عمه خليل لجأ إلى اللواء إبراهيم خيري سكرتير المدرسة الحربية ما التحق ناصر بالكلية عام 1937 هي نظرة الاحتقار القديمة ذاتها التي ترى أبناء الشعب غير جديرين بالتعلم والمناصب القيادية. وكان المشير أحمد اسماعيل أحد أبطال حرب أكتوبر العظام أحد الذين فشلوا في دخول الكلية العسكرية عهد الملك فاروق، وظلّ هكذا حتى صدر قرار مصطفى النحاس بفتح أبواب الكليات العسكرية لأبناء الطبقة الوسطى عام 1936. القصة ذاتها تنطبق على المشير الجمسي الذي قالت عنه جولدا مائير "إنه الجنرال النحيف المخيف". ولم يكن من بين كل أولئك سواء من العسكريين أو من أعمدة الثقافة من حصل والداه على مؤهلات عليا!! وكلهم من أبناء الفقراء. إن قرار مجلس القضاء يخالف مواد الدستور الذي ينص على عدم التمييز، والأهم إنه يشكل صفعة لكرامة الوطن والمثقفين الذين خرجوا من القرى أبناء المعدمين ممّن أفنوا أعمارهم في إطعام مصر ولم تتح لهم إمكانية الحصول على شهادات والتردّد على النوادي الرياضية. والمجلس – وأمثاله – ممّن يرفض تعيين الشباب لعدم حصول آبائهم على شهادات يغض النظر- عند اندلاع المعارك والحروب - عن تلك الشروط ! ويسعد لأن أبناء الفلاحين في الصفوف الأولى، وأنهم يواجهون الموت ويفتدون الوطن! حينئذ لا تصبح المؤهلات شرطا للقبول! هذه كانت نظرة الأتراك والغزاة وغيرهم من الأنطاع العابرين إى هذا الشعب العظيم وإلى أبنائه من المبدعين والثائرين والعلماء والأدباء. لم تنجح الدماء التي سالت في تغيير نظرة الأنطاع إلى الوطن ولا فكّ قبضاتهم عن ثروته. مازال الوطن عندهم مقبولا للموت مرفوضا للحياة.

 

أحمد الخميسي. كاتب مصري

 

 

 

 
   
 

التعليقات : 0

 

   
 

.