3

:: لماذا لا نبكي جميعاً؟ ::

   
 

التاريخ : 30/09/2014

الكاتب : فاطمة المزروعي   عدد القراءات : 892

 


 


آلمني أن أشاهد امرأة تنهر طفلها وتحثّه على عدم البكاء، وهي تقول له بعصيبة وجدية بالغة إن الرجل لا يبكي، وذاك الطفل يتمتم ويمسح بمعصمه دموعه، لقد أشفقت عليه ولكنني أيضاً أشفقت كثيراً على تلك المرأة التي تحاول أن تلقّن طفلها قيمة حياتية وتعلّمه درساً بليغاً من دروس الحياة فتحرمه دون أن تشعر فضيلة عظيمة وهي قيمة النبلاء والعظماء على مرّ التاريخ، وهي التعبير عن حالة الحزن بالدموع.

لقد أحزنني مفهومها الضيق لغريزة إنسانية موجودة في أفئدتنا وهي التعبير عن الحزن بالدموع. لكن لماذا نلوم هذه المرأة وما تقوله وما تمارسه لا يعدو أن يكون صدى لما يتم تداوله وترديده وما فتحنا أعيننا عليه وهو أن الرجال أقوياء لا يبكون.

وغني عن القول إن هذه المفاهيم دخيلة على الطبيعة الإنسانية بل هي تتنافى مع الفطرة ومع سياق البشرية وما تعارفت عليه، فمن هو الإنسان الذي لا يحزن ولا يبكي ولا تهطل دموعه؟ إن أولئك الذين يؤكدون ويرفضون رؤية الدموع يبتعدون عن الفطرة الإنسانية السوية بل يبتعدون عن الهدي النبوي الشريف عندما قال صلى الله عليه وسلم إثر وفاة طفله إبراهيم: «إن العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضي ربنا وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون..».
فأين نحن من هذه القيمة والهدي النبوي الشريف، العين لتدمع، والقلب ليحزن، فهل هناك كتم للمشاعر وقتل للأحاسيس؟ كلا لقد كانت المشاعر جياشة تم تركها للتعبير العفوي مع الصبر والاحتساب، نحن بحاجة ماسة لتعديل بعض ما تمّ توارثه مثل رفض البكاء حتى على الأطفال الصغار، ومحاولة تعويدهم وتدريبهم على القسوة. كم يحزنني أن تجير مشاعر الحزن وهطول الدموع للنساء فقط حتى باتت صفة دونية يقصد منها التقليل من قيمة المرأة وأنها سريعة البكاء والتأثر، وهذا إن كان في جانب منه صحيح فإنها ليست صفةَ نقصٍ أو عيب بل هي صفة قلب رقيق وحنون ينبض بالمحبة والسلام والوئام، قلب يتأثر بالأحداث وما يقع، وليس كالصخر لا إحساس ولا حياة فيه.

ولعلي أختم بالأبيات الشعرية الشهيرة لابن الرومي وقد كتبها عند وفاة ولده فقال:

بكاؤكما يشفي.. وإن كان لا يجدي         فجودا، فقد أودى نظيركما عندي

نعم البكاء لن يعيد من مات، ولكنه قد يشفي القلب وزفراته لأن فيه تنفيساً وتطهيراً وتنقية للروح والعقل.

 

 

 

 
   
 

التعليقات : 0

 

   
 

.