3

:: ثورة موسيقية وتمرّد على المسرح ::

   
 

التاريخ : 19/08/2014

الكاتب : ميشلين حبيب   عدد القراءات : 1112

 


 

 

 

لأني سمعت الكثير عن غي مانوكيان ولأني أعشق الموسيقى، ولأنه لم يتسنَّ لي حضور أي من حفلاته من قبل بحكم وجودي خارج البلاد، توجّهت يوم الأربعاء الفائت  (13 آب الجاري) لحضور حفلته في إطار فعاليات مهرجانات بيبلوس… ففاجأتني على خشبة المسرح ورشة فنية موسيقية عظيمة وفرقة موسيقية تعيش ما تعزف وتستمتع به، إلى جانب مزيج من الحنين والحرية والحماسة والثورة والحب.

 

تداخلت الموسيقى المختلفة ببعضها، في تمازج غربي وشرقي وإسباني؛ تمّ بسلاسة وتناغم على يدي مانوكيان، على الرغم من صعوبة المحافظة على تناغم قوي وحيوي بهذا الشكل بين آلات عديدة ومختلفة من حيث طبيعة أدائها الموسيقي.

كل الآلات الموسيقية تآمرت علينا تلك الليلة بقيادة غي مانوكيان، وكم أحببنا تلك المؤامرة التي سحبتنا من مكامن خبوتنا وألهبت حماسة الثورة فينا، ثورة الحب وثورة الفن.

عندما يتآمر البيانو مع الطبل ويتناغمان في أصخب موسيقى وأحنّها، وعندما يناجي البزق الغيتار الذي يردُّ عليه بموسيقى إسبانية شجية (إثنان من فرقة Gipsy Kings شاركا في العزف بأكثر من قطعة موسيقية)، وعندما يصفّق الدفّ للكمنجة، وعندما تنطلق الآلات بعد ذلك الواحدة تلو الأخرى لتروي قصة حبّها وجمال موسيقاها، لا يسعنا إلا أن نفكر أن تمرداً يحصل أمام أعيننا وفي حضرة آذاننا.

بحر بيبلوس العتيقة العريقة، هدأ تلك الليلة ليستمتع، وضبط نفسه عن صخبه وثورته احتراماً وتأثراً وإعجاباً بالثورة التي كانت تحصل على المسرح فوق فقش موجه، ثم ثار بعدها عندما ثار الجمهور، لكنه ثار بهدوء، إذ أن حماسة الجمهور غطّت عليه، فصمت رهبةً. ولو منح الصخور الإذن لقامت ترقص هي أيضاً.

ثورة موسيقية متمرّدة تقتحم كيانك وتُخضعك لها، وهي في الوقت عينه ليست غريبة عنك، وهنا تكمن روعة غي مانوكيان ووطنيته، إذ مزج أنواعاً كثيرة في موسيقاه، لكنها كلها تنبع من ثقافته الموسيقية اللبنانية وتتمحور حولها. وقد تجلت لبنانيته وحبه لعائلته في قطعة بعنوان “إلى إبني”، تذّكّر فيها ما كان يخبره والده عن لبنان وبيروت، وكونه من جيل الحرب، فقد حاول أن يتخيل كيف كان لبنان وعاصمته قبلها، وما سيخبر إبنه (جيو)، بالنوتة بدل الكلمة، عن بلاد الأرز… وترافق عزف قطعة “إلى إبني” مع عرض فيلم وثائقي عن لبنان في زمن العزّ.

ما يميز غي ليس فقط موسيقاه وإنما شخصيته أيضاً؛ التي تعكس تواضعه وحبه لعمله وفرقته وعائلته، وهذا أمر جدير بالاحترام، خصوصا أنه يُظهر بكل صدق، وبعيداً عن أي تباه زائف، احتراماً كبيراً لكل فرد في فرقته ويعتبرهم “عائلته”، ويبدو ذلك جليّاً في واقع أن كل عضو من أعضاء الفرقة تقريباً يقوم بعزف منفرد، إبرازا لدوره، في كل قطعة موسيقية.

 

غي مانوكيان موسيقي رائع، تنضح الحيوية، ليس فقط منه ومن موسيقاه ومن عزفه، بل من كل موسيقي يعزف معه على المسرح. موسيقاه تلهب الحماسة بطريقة راقية وحيوية وجميلة، تشتعل في الفرقة أولاً ثم تمتد إلى الحضور.

الجمهور، الذي تجاوز الأربعة آلآف شخص، استمتع جداً وسحره التمازج بين الأنواع والآلات الموسيقية وكذلك تفاعل غي معه… لكن عتبه الوحيد كان مدة العرض القصيرة التي لم تتعدّ الساعة والأربعين دقيقة.

في النهاية لا بد من الإشارة إلى أن مهرجان بيبلوس تميّز هذا العام بذكاء في اختياره للحفلات والفنانين الذين أحيوها.

 

 
   
 

التعليقات : 0

 

   
 

.