3

:: مقدمة ديوان "حميميَّات" ::

   
 

التاريخ : 11/04/2007

الكاتب : هنري زغيب   عدد القراءات : 2670

 


  

مقدمة ديوان

"حميميَّات"

خَوَاطِر حُبّ

صدرت طبعته الأولى في بيروت 2003

  

 

- 1 -

 

كتابٌ، في النثر الْجمالِيِّ، آخَر[1].

    وتَحديد "النثر الْجمالِيّ" مقصودٌ لتمييزه عن النثر السردي العادي. فما كلُّ نثرٍ نثراً، كما ليسَ شِعراً كلُّ نظم. فالتكثيف خصيصةُ الشِعر دون النظم، والاسترسال عنوان السرد العادي دون النثر الْجمالي.

    في هذه "الْحميميات"، أَلْزَمْتُني بقاعدةٍ ذاتية صارمة: "الْخاطرةُ بين كلمتين وعَشْر". لذا لَم تتعدَّ أيةُ حَميمية عشر كلمات، فإذا تَعَدَّتْ عَمَدْتُ الى التكثيف كي أتقيّدَ بِما به ألْزَمتُني.

    "أَتقَيَّد"، قلتُ، و"أَلْزَمْتُني". وأَقصُدُ الكلمتَين تَحديداً. فالفنُّ العالي ابنُ الصعوبة والالتزام (يعصُمُهُ ليبقى على الزمان أنه متينُ السبْك والسكْب)، والفنُّ العابر ابنُ السهولة والاسترسال.

    التزامي بعشْرِ كلماتٍ (حداً أقصى) وكلمتَين (حداً أدنى) لـ"الْحميمية" الواحدة، هو التزامي، في شعري، بالأوزان والبحور والتفعيلات والْجوازات والقوافي. أتقيَّد بِها، ومنها – بل من داخل الْتزامي بِها - أنطلقُ الى التجديد. هكذا، نثريَ الْجماليُّ وشعري يتقاربان من دون أن يتماهيا. 

    ولا نَجعَلَنَّهُما يتماهيان. فلِكُلٍّ خصيصتُهُ وميزتُهُ وتعريفاتُهُ. حين صدر كتابي النثري "صديقة البحر"، كتب سعيد عقل أنّه "نضائد من الغزل تُحفَظُ عن ظهر قلب"[2]. وبذلك أَوجَدَ سعيد عقل للنثر "النضائد"، أفضلَ تَمييز عن "القصائد" في الشعر. هكذا تصبح الْمقطوعة النثرية الْجمالية "نضيدة"، وتبقى الْمقطوعة الشعرية "قصيدة".

بلى: للنظم الْموزون الْمُقَفّى لغتُه، وللشعر العالي لغةٌ أخرى؛ كما للنثر العاديّ لغتُه وللنثر الجمالي لغةٌ أخرى، بل "جغرافية لغويةٌ" أخرى، بالتعبير الدقيق الذي أَوجَدَه غالب غانِم في تَمييزه الناصع بين مُختلف "اللغات": "ما كلُّ ما هو من قبيلِ التضاعيفِ النثريةِ يُسمّى شعراً، وإن تكثَّفَ فيه الْخيالُ ودَفَقَت العاطفة. وليس شِعراً ما هو طَنّانٌ أو فضفاضٌ أو ضبابِيّ (...). لا تنسُبوا الى الشِعر ما ليس شِعراً، ولا تُسيئُوا الى أدبِ الوجدانِ باعتبارِهِ قصائدَ. لِهذا عالَمُهُ ولذاكَ عالَمُه الآخَر. ولن يضير أدب الوجدان أن تكونَ له جغرافيةٌ لغويةٌ خاصةٌ، لَها أنفاسُها وأجراسُها، وأثوابُها والبَهاءات، وقصورُها اللغَويةُ والبلاغات. فلا تنسُبوا الى أرضِ الشِعرِ ما هو مقيمٌ في أرضٍ أخرى...".

 

- 2 -

 

في هذا الكتاب، إذاً، أنا الى حديث النثر. النثر الْجمالي. النثر الفنّي. وبه أعتزّ أن تكون لي نعمةُ كتابته كنعمةِ كتابتي الشعرَ. وطوبى لِمن يعطى أن يكون ناثراً أنيقاً بقدْرما يكون شاعراً أنيقاً.

    مرةً أخرى[3]: "لا نَخدم النثرَ حين نشبِّهُهُ بالشِعر، ولا نُرضي الشِّعر إذا شبَّهنا به النثر الْجمالِيّ. النثر فنٌّ عظيم في ذاته، والشعر فنٌّ عظيمٌ في ذاته. للنثر عبقريةٌ لا تقِلُّ إبداعاً عن عبقرية الشِّعر. والشاعر الذي لا يَمتلك الصناعتين، يظلُّ شِعرُهُ على مسافةٍ من الشعر. ومتى توصَّلنا، كشعراء، الى الْمباهاة بنثرنا مباهاتَنا بشِعرنا، نكون – ويا سعْدَنا – استحقَقْنا فعلاً نعمة الصناعتين: الشعر والنثر".

إذاً، النثر الْجمالي الفني الْمشغول يتميّز عن النثر السردي العادي، تَماماً كما الشِعرُ الْمشغولُ يَتميَّز عن النظم الْمسطّح. هذا الأخيرُ يعطي هيكلَ قصيدةٍ موزونةٍ مقفَّاةٍ تُوصِلُ الْمعنى بدون روحٍ تثير شهقة الْجمال، والنثر العادي يُوصِلُ الْمضمونَ بشكلٍ باهتٍ لا حياة فيه، أو هو ذو حياةٍ واضحة مفهومة دونَ تأَنُّقِ الْجمال.

- 3 -

 

هذا كتابٌ في النثر الْجمالي. كتابَتُهُ استلْزَمَت مني قواعدَ صارمةً وأصولاً ذاتية.

    ونثرُهُ ليس ليضير نَثريَ الآخَر، نَثريَ السَّرديَّ (مقالاتي، مقدماتي، خُطَبي،… وهذه الْمقدمة بالذات)، وهو أيضاً أَشتغل عليه تكثيفياً، بكلّ تأَنٍّ، لأجعلَه بِحَدٍّ أدنى نثراً مشغولاً بأناقةِ وردةٍ لَم يبلُغ شُغلُها، بعدُ، صياغةَ اللؤلؤة. وأترك هذه الأخيرة أنْحتُها لنثري الْجمالي متأَنِّقاً فيها، نبضاً وشكلاً وأداءً، بِحَدٍّ أعلى من الوقوف تَهَيُّباً أمام الْجمال.

    للنثر الفني الْجمالِيّ طقوسُهُ وأُصولُه وقاموسُه. فَرُبَّ تعبيرٍ يدخل في مقالٍ أو نصٍّ سردي، ولا يدخل في النثر الفني أو في الشعر. ورُبَّ موضوعٍ يعالِجُه النثر العادي ويأْبى أن يعالِجَه النثر الفني أو الشعر. للعاديِّ الوصفُ والتطويلُ والتعبير (مقال، بَحث، خطبة، ...)، وللفني والشعرِ التجريدُ الأقصى. والتكثيفُ أجْمل التجريد. التكثيف الْتزام الاختصار. التطويل حالةٌ مادية، واللغة، بطبيعتها، مادية. بينما بالتكثيف نَجعل التفاصيل الْمادية تَجريدية.

    آخُذُ الْحميمية الأُولى من الكتاب: "رؤْياكِ... فأَرى". بأقصى التجريد والتكثيف - بِما سوى كلمتَين -  أختصر حالةً هيولانيةً كبرى، وأترك حول الكلمتين مساحةً من التجريد يتلقاها القارئُ بإحساسٍ يصوغُهُ كما هو يريد فكرياً وذهنياً وتَخَيُّلِياً. إنّها مساحةٌ للمطلق، مفتوحةٌ على وساعةٍ للأحاسيس يُفسدها وصف لغوي ذو حالةٍ مادية.

آخُذُ حَميمية أخرى:  "رَحْمُكِ... أَم الزنبق؟" (16). جَمالُها أنّها جُملةٌ اسْمية. إذا الفعل عمود الْجملة الفقري، فإضمارُهُ من الْجمال ما يَجعل الْجملة أجْمل تكثيفاً وأَرَقَّ إيقاعاً. وأنا، هنا، لا أؤمن بِـ"إيقاعٍ داخليٍّ" (أي مُتَوارٍ، مبَطَّنٍ) عليَّ أن أبْحثَ عنه. الإيقاعُ أن يفرضَ نفسَه عليَّ بوقعه الواضح الْجَلِيّ وسطوع حضوره.

    الإيقاع تكوِّنُه الأحرف والكلمات. وهي أساسٌ في النص الْجمالِيّ. فللحروف جِرْسٌ  خاص. رنينٌ خاص. وللحركات عليها رنينٌ خاص. وليست مصادفَةً أنّ الأجْملَ وقوعُ الْحرف الرابع ساكناً بعد ثلاثةٍ متحرّكة، والأضعفَ وقوعُ متحرِّكٍ رابعٍ بعد ثلاثة. في النص الْجمالِيّ، كلُّ حرفٍ يُحسَب، وتُحْسَبُ هذه الْحرَكَةُ أو تلك على ذاك الْحرف. فَلْيَتَأَنَّ صاحبُ النص الْجمالِيّ في اختيار حروفٍ ذات جِرْسٍ ورنين، ولْيتَعمَّدْ حركةً على حرف قد لا تكون مؤاتيةً حرفاً آخر، ولْيُعانِ وجعَ الإيْجازِ اللذيذَ، فيستبدل كلمةً بأخرى، أو يبدِّل مكانَ كلمةٍ يُقَدِّمُها أو يؤخر، ولْيعتمدِ التكثيفَ الْجميلَ والتجريدَ غيرَ الغامض، ولْيتركْ حول الكلمات فُسحةً تتنفسُ فيها على هواها، وتفتحُ الْمخيِّلةَ عند القراءة واسعةً لا الى حدود.

ضروريّةٌ هذه التمييزات أعلاه، لِتَجَنُّب الوقوعِ في شَرَكٍ شفافٍ يغلِّف الفارق بين النثر العاديّ والنثر الْجَمالِيّ والشعر.

    هذا كتابٌ في النثر الْجمالِيّ.

    النثر إجْمالاً تعبيريٌّ يُخاطب البصر. النثر الْجمالِي تَجريديٌّ مُكَثَّفٌ يَختطف البصر الى البصيرة.

    وطوبى لِمن أُعطِيَ له في أدبهِ، شعراً أو نثراً، أن يُخاطِب البصائر.

 

                                                    03/03/2003

 

 

 

 

دفاعاً عن النَّثر في كتاب شعر

مقدمة ديوان "تقاسيمُ على إيقاع وجهك"

 

 

 

 

صرخة في هيكل الشّعر

مقدمة ديوان "إيقاعات"

 

 

 

دفاعاً عن النَّثر في كتاب شعر

مقدمة ديوان "أنتِ ولْتَنْتَهِ الدّنيا"

 

 


 

1  بعد "لأنني الْمَعبَد والإِلَهةُ أنتِ" ["دار نعمان للثقافة" (1981)]  و"صديقة البحر" ["الأوديسيه" (1998)].

2  جريدة "السفير" (13/7/1998).

3 بعد أُولى في مقدمتي (ص 16-17) لِمجموعتي الشعرية "أنتِ... ولْتَنْتَهِ الدُّنيا" ("ديناميك غرافيك" – الطبعة الأُولى 2001)

 

 
   
 

التعليقات : 0

 

   
 

.