3

:: حلاوة روح .. الأخلاقي وغير الأخلاقي في الفن ::

   
 

التاريخ : 07/05/2014

الكاتب : د. أحمد الخميسي   عدد القراءات : 1068

 


 

 

 

عادة ما يكون السؤال الرئيسي عند منع أو مصادرة فيلم أو كتاب هو: هل نحن مع المصادرة والمنع كمبدأ أم أننا ضد ذلك؟ إلا أن د. جلال أمين في مقاله أواخر أبريل بالأهرام عن فيلم "حلاوة الروح" الذي منع رئيس الوزراء المصري عرضه تخيّر لرؤية المسألة زاوية أخرى. بداية هو – بنص كلماته في ختام مقاله- ضد المنع والمصادرة، فإذا تركنا نصّ كلماته سنجد أن طبيعة النقاش الذي أثاره ومعظم الحجج التي ساقها توشك أن تقول إنه يتفهّم المنع! يطرح د. جلال سؤالا عميقا وعويصا من أسئلة نظرية الأدب وهو "هل يمكن حقا لعمل فنيّ يستحقّ هذا الوصف أن يكون غير أخلاقي؟ أم أن العمل الفني هو بالضرورة عمل أخلاقي؟". وبذلك يجعل د. جلال الصدارة لقضية فلسفية وأدبية منحياً خطورة الرقابة على الأعمال الفنية إلى الخلف قليلا. ولا أظن أن هناك من يختلف على رداءة فيلم "حلاوة الروح"، لكن الخلاف ينشب عندما يثور السؤال: هل يمكن مصادرة عمل ما لأنه رديء فنيا أو حتى أخلاقيا؟ ألسنا بذلك نكرّس مبدأ الرقابة التي تمتدّ عادة من مصادرة الأعمال الهابطة إلى مصادرة "أولاد حارتنا"؟. 

يبقى السؤال الآخر الأعمق الذي يطرحه د. جلال "أليس العمل الفني هو بالضرورة عمل أخلاقي؟". يجيب جلال أمين عن سؤاله بقوله إن كل عمل فني جيد أخلاقيا جيد فنيا، وكل عمل جيد فنيا جيد أخلاقيا، أي أن العمل الفني الجيد مرتبط حتما بالأخلاق. وما يقوله د. جلال بهذا الشأن صحيح تماما، فقد شهد تاريخ الأدب بأشكال مختلفة ذلك الترابط العضوي بين ما هو جمالي وما هو أخلاقي. وعلى سبيل المثال إذا نحن نظرنا إلى مسرحية "تاجر البندقية" التي صوّر فيها شكسبير بخل اليهودي سنجد أن النص الرائع يقوم بدرجة ما على نظرة أخلاقية تستبشع البخل والدناءة، لكن معظم الأعمال الأدبية لا تطرح القضية الأخلاقية بهذه البساطة، كما أن ذلك كله لا علاقة له بضرورة رفض الرقابة أيا كانت على الأدب والفن ومواجهتها بقوة. من ناحية أخرى فإن تصور د. جلال أمين لموضوع الأخلاق التي يسترشد بها الفن تصور عام للغاية يسوقنا للتساؤل عن ماهية تلك الأخلاق المرتبطة بالفن والأدب؟ الأخلاق شكل من أشكال الوعي الاجتماعي تمثل سلطة معنوية تتولى تنظيم سلوك الناس في مختلف مجالات الحياة الاجتماعية، في العمل والبيت والأماكن العامة. لكنها ظاهرة تاريخية تتطور وتتغير. وفي وقت من الأوقات كان تقبيل الشباب ليد كبار السنّ علامة على الأخلاق! وكانت "أخلاق الإنسان الحر" في الصعيد تلزمه بقتل أخته إذا أحبت، كما جاء في سيرة شفيقة ومتولي. وحين نتحدث عن ارتباط الفن بالأخلاق بشكل عام، فإننا في واقع الأمر نكرّس للأخلاق القائمة الآن بنواقصها وامتيازاتها، بكل ما فيها من نفاق وكذب، وأيضا بكل ما فيها من نزوع للحرية. أية أخلاق تلك التي ترتبط بالضرورة بالفن؟. هل هي أخلاق "العين لا تعلو على الحاجب"؟ أم أخلاق "لابدّ من يوم معلوم ترتدُّ فيه المظالم"؟. تاريخيا شكل الأخلاقي والجميل وحدة عضوية في الفن. إلا أن هذه الوحدة شهدت على الدوام تناقضا بداخلها، حينما كانت الأخلاق تعبيرا عن قيم مجتمع رجعي. لهذا سوف نجد آلاف الحالات التي دمّر فيها "الجماليُّ" كل ما تمّ التعارف عليه بصفته "أخلاقي" لصالح أخلاق أخرى جديدة.

أحمد الخميسي . كاتب مصري

ahmadalkhamisi2012@gmail.com

 

 
   
 

التعليقات : 0

 

   
 

.