3

:: النوبة موقفان في السياسة والأدب ::

   
 

التاريخ : 17/04/2014

الكاتب : د. أحمد الخميسي   عدد القراءات : 1024

 


 

 

في السياسة وفي الأدب أيضا هناك موقفان من الموضوع النوبي. رؤيتان. فكرتان. توجهان. الأول يغذّي دواعي الانفصال والنعرة القومية ويتاجر بآلام النوبيين ويقدر أنه عرق خاص له لغة خاصة لا يربطها شيء بمصر، وأن القضية كما وصفها حجاج أدول هي "تذويب شعب"!!، الموقف الثاني يرى أن معاناة النوبة هي فصل من فصول الشقاء المصري الكبير في الريف والصعيد وقاع المدن الضخمة، ويرى النوبة في مصر ومصر في النوبة. الموقف السياسي الانفصالي الذي يتغذى على تمويل المؤسسات الأمريكية يشحن الأجواء قدر استطاعته بروح الانفصال واستعداء أبناء الوطن الواحد على بعضهم البعض، والموقف السياسي الثاني يجد في القومية المصرية جامعا لكل الأعراق واللغات والثقافات. وقد انعكس الموقفان على الأدب المصري النوبي. كانت الرواية النوبية في البداية تتحدث عن النوبة بصفتها جزءا من اللحمة الوطنية المصرية كما فعل خليل قاسم في روايته العظيمة "الشمندورة"، ثم أصبحت الرواية "النوبية" لدي البعض حكاية لمواجهة مصر بدعوى خصوصية تاريخ وسكان ولغة المنطقة. ولا شك أن النوبة تعرضت لإجحاف شديد عند التعلية الأولى للخزان عام 1912، والتعلية الثانية في 1933، حينما أغرقت التعليتان القرى المتاخمة لأسوان، وأيضا عند بناء السد العالي 1960 الذي نجم عنه تحويل خمس وأربعين قرية إلى بحيرات. وتجلّت مرارة تلك الأحداث في الشعر أولا بدءا من ديوان "في ظلال النخيل" لمحمد عبد الرحيم إدريس عام 1948، ثم ديوان "النائح الشادي" لحسين روم في 1952، ثم طرح خليل قاسم تلك المآسي بعظمة الكاتب والمواطن المصري في "الشمندورة " عام 1968. وفيما بعد ظهر جيل جديد من الروائيين في مقدمتهم الأديب الكبير يحيى مختار وحسن نور وإدريس علي وحجاج أدول. وجرى ترسيخ فكرة "الأدب النوبي" القومي مع نشاط المنظمات المتمولة وظهرت الدعوات لفصل النوبة عن تاريخها المصري لدي البعض، كما ظهرت على العكس الدعوة لترسيخ وحدة مصر مترافقة بطرح هموم وأوجاع النوبة الخاصة. وتجلّى بقوة - داخل الأدب النوبي المصري-  موقفان مختلفان لتيارين متناقضين. التيار الانفصالي الذي يمثله حجاج أدول وإدريس علي، والتيار الذي يمثله الكاتب الكبير يحيي مختار والذي قدر أن هموم النوبة من ذات هموم المصريين جميعا، وأن خيوطها من النسيج نفسه، المفرح والمؤلم. تيار حجاج أدول يتجسد بوضوح في رواية "خط الفقر" لإدريس علي حيث يدور حوار بين صبي نوبي وموظف يقول للصبي: "هذه أراضي مصرية". فيجيبه الصبي "بل نوبية"! ويمثل ذلك الخط الأدبي السياسي العجز عن إدراك القاسم المشترك بين أحزان الشعب المصري، ومن ثم يعجز عن الارتفاع إلى الهمّ العامّ، أي يعجز عن أن يكون أدبا. بينما يقدّم لنا يحيي مختار في كل رواياته وقصصه خطا آخر يجد أن مصر بما فيها النوبة تاريخ متصل له جوهر واحد مرتبط. وسوف يلفظ النوبيّون قبل غيرهم كل موقف انفصالي في السياسة والأدب، كما لفظوا من قبل كل دعوة للتشظي بعيدا عن مصر.

أحمد الخميسي. كاتب مصري

 

 
   
 

التعليقات : 0

 

   
 

.