3

:: «بيتين وتنور» لإياد قحوش.. الشعر يفسر الشعر ::

   
 

التاريخ : 09/04/2014

الكاتب : علي العزيز   عدد القراءات : 1000

 


 

 

 

     "شعر باللغة المحكية"، هكذا يوصّف الشاعر إياد قحوش ديوانه الجديد المعنون «بيتين وتنور»، الصادر مؤخراً عن «مؤسسة الرحاب الحديثة» في بيروت، أما الشاعر هنري زغيب الذي وضع المقدمة فيكشف عن أسرار إبداعية مثيرة للاهتمام في مسار الديوان ومسيرة الشاعر يتمحور بعضها حول الدلالة اللغوية المدهشة، بينما يتصل البعض الآخر بالثقافة الشخصية التي أمدّت القصائد بكثير من أناقة الشكل وثراء المضمون.

محتفظاً بكامل براعته العلمية يدخل الطبيب المخبري إلى مختبر الشعر، يمارس شغفه الأثير، فيبدو واثقاً، بحكم التجربة، بقدرة العادي على استيلاد الغرائبي، المسألة في جوهرها هي استخدام دقيق للمقادير، وهي أيضاً تملك من القدرة الكامنة في المادة الأولية، أي الكلمات، والأهم هي في الثقة بسحر الكيمياء وقدرتها الملغزة على ابتكار ألوان جديدة للعالم التقليدي. لهذا لا يتردّد الشاعر في الانطلاق من تفاصيل اليومي ليتّجه نحو أماكن غير مأهولة من جغرافيا المخيلة، مدركاً أن الشعر في حقيقته هو اقتحامٌ جريءٌ لمجاهل المعاني وغوصٌ واثقٌ في أعماق الدلالات.
تأسيساً على ما سبق يخوض الشاعر مغامرته الشعرية، وفي ديوانه «بيتين وتنور» يبدو حريصاً منذ لحظته الإبداعية الأولى على ارتكاب فعل المزج العبثي بين الأشياء، فتتداخل الشمس مع الغربال، ويتساقط العمر شهوراً في عبّ الزمان، ثم يؤول الموج إلى أوراق من الماء يلفّها البحر على مائدة الشمس، قبل أن يتحول الخيال غيماً ينتظر اللحظة المؤاتية ليمطر شعراً، تاركاً للذائقة أن تنتشي بهطول مباغت.
يبدو توق الشاعر جامحاً نحو تصحيح الأخطاء الشائعة، أحياناً عبر ارتكاب ما يوازيها، وفي ذلك بعض مهمة الشعر. الشاعر المطمئن إلى رعونة تعابيره لا يتردّد في منح الشعر قدرات لها سمة الإنجاز، الشاعر أيضاً صاحب كرامات إبداعية، وعندما يعجز الكون عن استيعاب تداعيات مخيلته، يكون عليه أن يقيّم فلكه الخاص ثم يدخل إلى أعماقه دائراً ومديراً، يعيد اكتشاف العالم، ويرصد تشظّي النجوم، ويرقب إلى الفضاء كيف يملأ كفّيه بالنور ثم يرشق به وجه امرأة، وإلى الليل بينما يصير عجوزاً يرتجف من نفخة ضوء، بينما ينثال المطر سطوراً على أوراق الهواء ترتسم لحظة ثم تُمحى على إيقاع رونق بهيّ.

المرأة تحضر متألقة في قصائد قحوش، يسعها أن تكون ماءً يمنح الخمر بهاءه الخفيّ، وأن تصير في لحظة تجلّ نهراً ملهماً يعبر في صحاري الرجل لتنبت الأحلام على ضفاف قاحلة، ثم تنتصب بكامل شموخها تمثالاً من ثلج يذوب فيزداد قداسة.

أن تقرأ إياد قحوش يعني أن تكون شاهداً على الشعر كيف يعيد صوغ الحكاية، وكيف يمكن للكلمات أن تمارس متعة المشاغبة في صخبٍ إيحائيٍّ مثير، حيث يسع النهر أن يتكسّر كشظايا مائية، والرمل أن يصير حنطة العقل تذروها ريح التجربة على شاطئ المعرفة، ثم يصير السرُّ أغنية تزداد تمنّعاً على البوح كلما أمعنت في ترديدها الشفاه.

يزعم ديوان «بيتين وتنور» أن الشعر وحده يفسّر الشعر، وأن للكلام خاتمة ترسمها ساعة من رمل:

«حْروف اسمك بالدّني واسمي

طلْعو عدد ما بْيقْبَل القِسمة

وأشواقنا ساعة رمل بِتْضلّ

مَيلِة بْتِسْكُبْ جسمك بْروحي

وْمَيْلِة بْتِسْكُب روحك بْجِسمي».

 

 
   
 

التعليقات : 0

 

   
 

.