3

:: نادين شمس والموت الجوال! ::

   
 

التاريخ : 26/03/2014

الكاتب : د. أحمد الخميسي   عدد القراءات : 1075

 


 

 

هناك وجوه تبقى في الذاكرة أطول من وجوه كل الذين اكتشفوا أهم القوانين العلمية أو الفضاء الشاسع أو أعماق البحار. وجوهٌ تُبرز نوعاً نادراً من بطولة تحاول بابتسامة عذبة أن تتخطّى الأسى العميق. رحلت نادين شمس عن اثنين وأربعين عاما يوم السبت 22 مارس وتركت لنا صورتها بنظرة عينيها الواسعتين المشبعتين بحزن رقيق وأمل خافت. خطأ طبّي في مستشفى خاص كبير بالقاهرة أودى بحياة الكاتبة والمؤلفة الشابة. خطأ طبّي أيضا كاد منذ شهر أن يودي بحياة علاء خالد صاحب مجلة أمكنة في مستشفى خاص كبير في الإسكندرية. يتجول الموت حرا طليقا في بلادنا، ويختطف الزهور واحدة بعد الأخرى، من الشوارع والحقول ومن المستشفيات، ويموت الإنسان هناك حيث ينبغي أن ينجو!

 

وليست حادثة نادين المفجعة استثناء، ففي الأول من مارس الحالي حطّم الأهالي مستشفى إمبابة العام واعتدوا على الأطباء بعد وفاة مريض عن طريق الخطأ. شاعت هذه الحوادث متجاوزة "الخطأ" الفردي إلى خطيئة الدولة عامة فيما يخصّ وضع المصريين الصحي، فالدولة عمليا لا تمارس أي نوع من الرقابة على المستشفيات الخاصة، وذلك منذ العمل بسياسة خصخصة القطاع الصحي وطرح صحة المصريين سلعة في السوق. على المستوى العام فإن الإنفاق الحكومي على الصحة لا يتجاوز أربعة بالمئة بينما يصل ذلك الإنفاق في بلد مثل لبنان إلى 12.2% من إجمالي الناتج القومي! وفي ظل تلك الميزانية الهزيلة تتحوّل المادة الثامنة عشر من الدستور إلى عبارات إنشائية بنصّها الموقر "لكل مواطن الحق في الصحة والرعاية الصحية المتكاملة". أدّت تلك الميزانية الضئيلة إلى تدهور غير مسبوق في الخدمات بلغ حدّ خلوِّ أقسام الطوارىء في الصعيد من أبسط الأدوات الطبية كالترموتر والشاش والإبر! ولجوء المريض لشراء كل ما يلزمه بنفسه بحيث أصبح المواطن يتحمّل أكثر من ستين بالمئة من تكاليف علاجه.

بسبب السياسة الحكومية يتجوّل الموتُ حرّاً في بلادنا حتى أصبحت مصر تشغل المرتبة الأولى بين دول العالم من حيث الإصابة بفيروس "سي" بنسبة 15% من المصريين، أما الربو الشعبي فإنه يلتهم صدور نحو عشرة بالمئة من السكان، غير نسبة الفشل الكلوي المرتفعة أعلى من أية دولة أخرى. أصبحت مصر في أمسّ الحاجة إلى سياسة جديدة بعين جديدة ترى واقع صحة المصريين. وعندما نتحدّث عن الصحة فإن ذلك المفهوم حسب المواثيق الدولية لا يشمل حق المواطن في العلاج فحسب، بل يمتد إلىي الحقّ في السكن الصحي والبيئة النظيفة والمياه النقية. وعندما تتذرّع الحكومة والدولة بأن مصر بلد فقيرة غير قادرة على الإنفاق من عرق الشعب على صحة الشعب، فعلينا أن نذكرها بما أظهرته قائمة "فوريس" مؤخّرا من أن ثروات رجال الأعمال في مصر زادت مؤخّراً رغم كل الأوضاع السياسية المتقلبة، وبلغ مجموع ثروات ثماني من رجال الأعمال المصريين أكثر من اثنين وعشرين مليار دولار، أي ما يتجاوز مئة وستة وخمسين مليار جنيه! هذا في الوقت الذي تنفق فيه نحو 85 % من الأسر المصرية أقل من ألفي جنيه شهريا. 

من دون سياسة جديدة في مجال الصحة تشتمل على رقابة صارمة على المستشفيات الخاصة سيظل الموت شابا تتجدّد قواه في بلادنا، يختطف أجمل العيون وأجمل العقول من الشوارع والحقول ومن على أسرة المستشفيات، وستظل نظرة نادين شمس المشبعة بالحزن والأمل تطارد ضمائرنا بالعتاب واللوم.

أحمد الخميسي. كاتب مصري

 

 

 

 

 
   
 

التعليقات : 0

 

   
 

.