3

:: "العاطل" لإحسان عراق – اللائحة القصيرة لجائزة البوكر العربية 2012 ::

   
 

التاريخ : 05/03/2014

الكاتب : ميشلين حبيب   عدد القراءات : 1161

 


 

 

 

إن اختيار العاطل كعنوان للرواية هو اختيار ذكي. إذ أول ما يخطر للقارئ انه سيقرأ عن شخص عاطل أو سيئ فهذا ما يوحي به العنوان لأول وهلة. أما الاحتمال الثاني الذي يطرق باله أنه ربما سيقرأ عن شخص عاطل عن العمل. ليكتشف هذا القارئ بعد ذلك أن العاطل هو ليس فقط العاطل عن العمل وإنما عن الحياة بشكل عام وعن التواصل مع نفسه ومع الآخرين بشكل خاص. ويكتشف بعدها اكتشافا أكبر هو أن هذا العاطل هو عاطل عن الجنس. انه بعبارة أخرى معطّل أكثر مما هو عاطل.

 أما ان كان شخصا عاطلاً او سيئاً فهذا ما تركه الكاتب، من خلال تسلسل الأحداث، للقارئ ليحكم على ذلك بنفسه. من هنا عنصر الذكاء الآخر الذي ساهم في انجاح القصة. إن حكم القارئ على محمد الزبّال كشخص جيد أو سيء أو عاطل هو خاضع لخبرات القارئ ذاته وثقافته ومدى تأثره بالمجتمع الذكوري من ناحية والديني من ناحية أخرى وتقاليده بشكل عام. أقول ذكورياً لأن للجنس حظه الوافر في القصة وكيفية الحصول عليه للخبرة وتنفيس القوة الكامنة في جسد الشخصية الرئيسية في الرواية الذي هو رجل. هناك من سيفكر أن ذلك من حقه لأنه رجل. حتى أن محمداً ينفد بهذا ولا يلام عليه، لا ممن يحب ولا من أصدقائه بعد المصيبة التي نزلت به وأودعته السجن. ربما هناك من سيبرر ذلك بأنه كان عليه أن يتخلص من مشكلة عجزه الجنسي، فبتالي لا بأس إن فتش عن ذلك عند الغواني، وكأن الغواني أشياء وليس بشر، وبذلك تضعف وتموت صفات العيب والخطيئة والذنب.

في كل الأحوال، لقد استعمل الكاتب عجز الشاب الجنسي في حضرة المرأة بينما هو نشيط مع نفسه ليعكس الحالة النفسية المعقّدة التي يعيشها؛ فهو مقتنع في قرارة نفسه أنه فاشل. طرح الكاتب هنا موضوعًا نفسيًا واجتماعيًا مهمًا.

تكمن قوة القصة في حبك شخصية الراوي المنسحق داخل نفسه من الذل والعجز؛ الحبك التحليلي النفسي للشخصية.  وما يميزها أيضا الغزارة في الكلام التي تظهر في التفكير الضمني للشخصية والحوار القائم بينه وبين نفسه وبين القارئ.

نحن كقراء لا نتعاطف مع بطل القصة تعاطفًا قويًا الا فيما يتعلق بعلاقته بأبيه والمعاملة السيئة التي يعامله بها كما يعامل بها بقية الأسرة وطبعا زوجته. فهو لا ينفك يحقره ويؤنبه ويوبّخه ويضربه. والأنكى أنه يفعل ذلك على مسمع ومرأى من أهل الحي بصغاره وكباره. يفهم القارئ تلقائيا ان هذا الأب يحضِّر ولده للفشل ويربي فيه بدلا من رجل واعٍ، رجلا تلازمه عقدة نقص تكبر معه وفيه، وتخنق كل شيء آخر يجب أن يكبر ليخنفها.

من المقاطع الجميلة في الرواية والتي تبين بأسلوب مضحكٍ مبكٍ مدى فظاعة الأب وبؤس الولد، "أرجوكم لا تظنوا أن الكلب هو الحيوان الوحيد الذي نُشبَّه به أنا واخوتي في منزلنا، بل هناك الحمار، والجاموسة، والبغل؛ فأنا حمار، ومحاسن جاموسة، وحسن بغل! اما أمي فهي البهيمة الدائمة!"

هنا نجح الكاتب جدا اذ نقل الينا أنه شاب حائر، ضعيف الشخصية يعاني الذل، لا مواقف له، مشغول بعادته السرية ومشاكله النفسية. لذلك لا نعرف من أي طينة هو. ان محمد الزبال شخص أقل من عادي وغير ملفت للنظر أبدا. هو لم يوضع في الامتحان بعد لا في المواقف الانسانية ولا الاجتماعية. فكل ما مر به من هذه المواقف كان من خلال منصور أو الأستاذ صلاح. هو في حالة اتكال دائمة ويتصرف في ظل الاخرين، لا سيما منصور. لكن يتركنا الكاتب مع سؤال وربما رأيي مخالف لهذا في نهاية الرواية.

في الصفحة 140 مشهد جميل من حيث رمزيته المتعلقة بالذل واليأس اللذين يعاني منهما الراوي. وفيه يقول محمدًا "ألا يمكن أن يصنع الله معجزة الآن، ويحوّلني الى سجادة مثل هذه، فأصبح مفيدا وممتعا، فلا أتعرض لتوبيخ".

في الرواية تنويه واضح بالمثقف والمتمثل بشخصيتي منصور وصلاح. فهما المخلصان والشهمان والمدركان طريقهما. إن محمدًا في القصة يتثقف من خلال منصور ابن خالته الذي لا ينفك يتحدث عن كل أولئك الأدباء والمفكرين الذين يحترمهم والذين أثروا به وأَثروه. وفي الرواية إشادة وتحية لغبريال غارسيا ماركيز، وللقراءة التي يمكنها أن تؤثر على السياسة اذ تحضِّر فكر الإنسان وتوسِّع آفاقه وتعلِّمه أن يفكر لنفسه وعن نفسه. كما إنها تشيد ببعض الشخصيات المثقفة والتي لعبت دورا مهما في الساحة الثقافية والسياسية المصرية مثل "بدر المنياوي". وهناك طبعا تحية للحب واحتفال به.

وقد نجح ناصر عراق نجاحا كبيرًا برسم رواية موضوعية بشكل كبير. فالقارئ الذكي لا يمكنه ان يلصق بالكاتب أيا من أحداث وتطورات القصة الا بما يتعلق بالأماكن والشوارع الموجودة في مدينة دبي والشارقة. اذ يقول القارئ في نفسه: لا بد أن يكون الكاتب من سكان المدينة ليتمكن من وصف الشوراع والطرقات وكيفية الوصول اليها بهذه الدقة.

يلقي الكاتب الضوء على المكان ويلقي رأيه فيه وفي ناسه من خلال شاب مغترب جديد في المنطقة، ويفلت بذلك من الصيغة الشخصية أو الذاتية. يبتعد الكاتب عن الوعظ، فبدل أن يقول ما يريد مباشرة، فانه يمررذلك من خلال أحداث وسير الرواية، فيقول القارئ تلقائيا: معه حق أو هذا صحيح. فمثلا، عندما يبرر محمد الزبال كرهه للقراءة وعدم حبه للكتب وعدم صبره على قراءة أي شيء، وبالتالي عدم ثقافته أو اهتمامه بالثقافة أصلا، فهو يقول "لم أره (يقصد والده) يطالع كتابا قط، ولم أجد في بيتنا أصلا أي نوع من الكتب،..."

انها لطريقة ذكية أن يبث الكاتب كل تلك الثقافة والنقد والتحليل والنظرة على ما يدور حولنا في مدينة دبي، في المجتمع، وفي العالم، من خلال شخصية منصور وليس الراوي. فيبتعد بذلك عن كل حكم أو وعظ. اذ أن الراوي لا تهمه هذه الأمور كلها، وهو ليس مثقفا الا من خلال منصور. ولكن انظروا الى كمية المعلومات والثقافة التي تتلون بها الصفحات بطريقة ذكية وعميقة ننشغل بها وعنها بحكاية محمد وذلِّه وحظه العاثر وتعاسته.

محمد الزبال لا يهتم بأي من اهتمامات الآخرين في السياسة والفن وغيره، إلا بمشاكل نفسه وهو صريح مع نفسه ومع الامور؛ لا يحب عبد الحليم حافظ، ولا يهمه أمر صدام حسين، ولا يطيق أم كلثوم ص.139 "لماذا لا تتوقف عن النواح..."

ان عاينا أسلوب الكاتب في العاطل نجد أنه أسلوب فتى يصير شابًا، وشاب يصير واعيا وساخرا. يلفتنا أيضاً الأسلوب اللغوي اللطيف والسهل والمثقف، والذي يحتوي على شيء من السخرية والمضحك المبكي، لنتبين في النهاية ان الكاتب برع في استعمال هذا الأسلوب، اذ أن الذي يكتب هو بطل الرواية نفسه الغير ملم بالكتابة وفنونها. وهذا ما يفسر الانطباع الذي يطغي علينا عند قراءة الرواية وكأنها جلسة معالجة نفسية. اذ جعل الكاتب منه في آخر القصة، مثقفًا محبًا للقراءة وكاتبًا ومحللًا نفسيًا، مثبتا أن القراءة بامكانها أن تشفي من أي مرض، والكتابة هي أفضل علاج نفسي.

ان الأسلوب الذي يستعمله الكاتب لنقل الحوار الداخلي المتواصل هو من أهم مقومات نجاح هذه الرواية. هو أسلوب متين وقريب الى العامية أوالبساطة التي نتكلم بها عادة. وقد استعملها الكاتب بطريقة بارعة، فنشعر وكأننا نقرأ عامية أنيقة وأدبية.

يلعب عنصر التشويق لعبته في منتصف الرواية. اذ نجدنا متشوقين لأن نعرف ماذا سيحصل للزبّال. بمعنى آخر، يفاقم الكاتب الأمور( بعد أن كنا مأخوذين معه بسير حياة هذا الشاب وكأننا نعيش يومًا عاديًا في حياتنا ومن ضمنها هذا الشاب) في منتصف الرواية ص. 190 و191 اذ يصير لمحمد فجأة رأيًا ويصير مفكرًا. ثم ص. 193 يكذب محمدا. صار له صوت وموقف. أو الأصح انه يصير له صوتًا وبدأت بوادر شخصيته تظهر. وكان قد رمى هنا بعض البذور عن مستقبله كاتخاذه زوجة والسجن وموت أيرينا وهند والمخدرات. وكلها أمور يتطرق لها الكاتب اذ هي وقائع في حياة المدينة.

ورواية ناصرعراق الحديثة والعصرية والواقعية تملك جوًا معينًا خلقه الكاتب، ولم يخرج عنه أبدا في كامل الرواية. كما أن هناك نقد واضح ونظرة على السياسة. في الرواية أيضا تصنيف مثلما في الحياة في دبي فكما أشرت سابقا فهي تنقل واقع المدينة.

كأننا كلنا مشبوهون آثمون في مدينة الخطيئة. نتواقح على بعضنا معطين لأنفسنا الحق بذلك دون اعتبار لأية حدود أو احترام. وكأن انسانية الانسان فُقدت وصار كل بريء الحيوان الأول في كل واحد.

نشك ببعضنا وكلنا مقتنعون أننا كلنا مذنبون، وكل ما نفعله هو الانتظار والتربص فقط لإمساك الآخر في الجرم المشهود. كأننا بهذا حكمنا على أنفسنا مقدمًا بأننا عاطلون خاطئون مجرمون ولا وجود لرحمة تنشلنا. والمبكي أننا نستمر بضعفنا وغبائنا ونطلق الأحكام على الآخرين بدل أن نعطي لهم ولأنفسنا فرصة. إنه الخوف والتقاليد والكبت الذي تربينا عليه ووقاحة الجهل التي تمكنت منا.

إحسان عراق روائي مالك أدواته وقد استحقت روايته "العاطل" مكانها على لائحة جائزة البوكر العربية.

 

 

 

 
   
 

التعليقات : 0

 

   
 

.